فهرس الكتاب

الصفحة 19924 من 23694

فدار السلام تغيرت حالها فلم تعد كما تركها عيسى بن هشام يوم ذهب إلى البلد الحرام، فقد تغيرت بيوتها من خارجها، واستحدثت المدينة مستحدثات جديدة تناولت زخرفة واجهات البيوت ونقشها، فلبست ثوبًا جديدًا شغل بصر عيسى بن هشام الراوي والشاهد والمشارك في بنيان العالم السردي للمقامة، فكأنه يدخل المدينة لأول مرة، يدلك على ذلك لفظ التأمل الذي يعني إعمال الفكر والعقل والبصر للوصول إلى استجلاء معالم الجدة في بناء المدينة وأبنيتها، ولم تكتف المدينة بتغيير جلدها الخارجي أو واجهات البيوت بل أوغلت في التعبير عن ترفها وزهوها بالمبالغة في فن الزخرفة التي شغلت بصر عيسى بن هشام وقلبه وعقله، وذهب يستقصي آفاقها ليصل ببصره إلى أبعادها العميقة، وفلسفتها العالقة بها، فهي محطة إدهاش للشخصية، تكشف عن حركة المكان ببعض معاني الحركة وبعض معاني المكان والبيئة بمدة قصيرة.

يتنبه بديع الزمان على لسان شخصيته إلى أمر مهمٍ، وهو انعدام التوازن في البناء على مستوى الفرد والمدينة. أما الفرد فقد حاول أن يصلحه عالمه الخفي الداخلي، لكنه أغفل عالمه السلوكي الخارجي، فمازالت روح القطيع تحكم سلوكه، وتوجه حركته في المدينة، فكأنه لم يغز ولم يعد، وكذلك المدينة غيرت ظاهرها، ولم تغير باطنها، فظلت مترفة تعنى بالشكل وتهمل المضمون، ومن هنا نشأت الخلخلة الاجتماعية بانكسار نظرية الأطوار المتوازنة، فقامت ردة الفعل على متع المترفين بقوة حركة المتصوفين الذين انصرفوا لبناء باطنهم على حساب عالمهم الحسي الخارجي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت