فهرس الكتاب

الصفحة 19926 من 23694

إنها مدينة منفلتة من شواغل الفقر والحزن والشعور بالخوف من المستقبل، كأنها أخذت من اسمها بعضًا من معاني العيش فيها، فهي كالجنة للناس فيها ما تشتهي أنفسهم، ولهم فيها ما يدعون، ليس فيها حدود للمباح، ولا قيود تحجز عن الممنوع، ولا يُشغل أهلوها بشيء مما يشغل بال الناس في المدن الأخرى، إنها دار الشهوات والملذات مثلها في ذلك الانطلاق كمثل عيسى بن هشام وقد رمى أثقاله بزيارة البلد الحرام، مما يدل على أن شعور الشخصية بالفرح جعلها تلون الزمان بلونها، وترسم أبعاد المكان وامتداده بما لديها من الشعور بالحيوية والتبختر والجمال والقوة والسعادة بكل ما يفرح النفس والقلب. فكان المكان والزمان معروضين لنا وفق رؤية الشخصية التي تقوم بالسرد القصصي، وتشارك في بناء عوالم المقامة، وتنسج حياتها على نحو متجانس ومنسجم من جميع الجهات. مما يمهد السبيل للحديث عن أحوال الناس بعد معرفة أحوال العمران، وموقع هذا القافل من البلد الحرام في المدينة وأهلها.

* الشخصيات في المقامة:

لا تجد فرصة تنفك فيها الشخصيات عن الزمان والمكان وموقعهم في عين عيسى بن هشام ونفسه وشعوره، ورؤيته، وإظهار سطوة عقلية القطيع في الحياة الاجتماعية، على محافظة كل إنسان على سمته و طابعه الشخصي غير المنفصل من الطابع العام للمدينة وطابعها الحضاري، وحالها العامة، فلم يشأ أن يقول لنا بعبارة موجزة: إن أهل هذه المدينة يعيشون خالين من هموم المدن الأخرى، فهم لا يجدون ما يشغلون أنفسهم به سوى اللهو والعبث، ومشاهدة المشاهد المضحكة على تفاهة ما يرونه، فكأنهم بسلواهم عن نازعات الدنيا يعيشون عالم الجنة ( دار السلام ) في هذه الفانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت