فهرس الكتاب

الصفحة 19927 من 23694

المهم أن الفراغ والترف والشعور بالقوة الطاغية، جعلت همومهم تنوس وتتضاءل إلى حد الانشغال بقراد يرقص قرده و يضحك من عنده، ولو تساءلت عن موضع عيسى بن هشام القادم من البلد الحرام ماذا فعل لوجدته يخبرك أن الفضول والحرص الذي ساقهم إلى ماهم فيه ساقه أيضًا فهو واحد منهم، ولم تترك مسألة الزيارة إلى البيت الحرام أثرًا يدفع شيئًا من سطوة الحياة المدنية، وقوة غريزة القطيع في سعيه وسلوكه، فجاء يرتع حيث يرتعون، ويشغل نفسه بما شغلوا أنفسهم به و له.

الشخصيات في دار السلام لها ثلاثة نماذج إنسانية: الأول يشير إليه بديع الزمان بعيسى بن هشام، ويجعله رمزًا للشخصية التي فهمت الدين فهمًا روحيًا يقوم على غسل أوحال الترف وانحراف السلوك الإنساني بالزيارة والتبرك وسيل الثقة بغفران الذنوب من غير إصرار على ترك طريق الأمس، أو الاحتباس عن السير بمسيرة قطيع اللهو والغرائز، و لا التفرد في السلوك الحي بترك عبث اللاهين، فتجده ينكر رقص الأعرج وطوق الكلب المحرج، ولا يكف عن المشاركة بما يزعم أنه من تفاهة الأمر وضحالته، فلم تمنعه زيارته التي انقضت عمليًا بتمامها عن العودة إلى طريق الغرائز، والانغماس بمستنقع التفسخ الحضاري، فهو مستعد للعودة مرة ثانية ليستحم بماء المغفرة ( زمزم ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت