فهرس الكتاب

الصفحة 19928 من 23694

إن السلوك في حس المؤلف يؤلف قاعدة الفصل الحق بين رؤى الناس وواقع حالهم، فإذا ادعى أحد الديانة والحرص على الزمن والبعد من اللهو فلا ينبغي أن تصدقه إلا إذا وجدته يربط القول بالعمل، وهذه آفة الدين سجلها القرآن ونبه المؤمنين من كل دين عليها، فقال: ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) (19) و احترس سيدنا علي بن أبي طالب مما أصاب ذلك العابد الذي لم ينكر على الحاضرين تبذير الوقت وتدمير الحياة وضياع بضاعة الله هدرًا بل أنكر إنكارًا ضعيفًا خفيًا، لكنه رضي بصنيعهم وشارك في سهامهم، ولو أنه في النهاية انتهى إلى التوبيخ لمن جمع الناس، فقال أبو الحسن في ذلك:

"الراضي بفعل قومٍ كالداخل فيه معهم، وعلى كل داخلٍ في باطلٍ إثمان: إثم العمل به، وإثم الرضى به" (20)

فقدم العمل وجعله دليل القلب الصادق ذلك أن الإنسان قد يقول بلسانه ماليس في قلبه لكنه يعمل ما في قلبه ولو لم يجرِ له ذكر على لسانه.

فالنموذج الإنساني المتدين تغيرت صورته العملية في العصر العباسي، وافترق قوله وعمله، ولسانه وقلبه، وانتهى في المدينة إلى حياة القطيع متعلقًا بالديانة لسانًا منقطعًا عن حقيقتها قلبًا وسلوكًا، مخادعًا نفسه بظواهر الأمر من غير النظر في حقائقه وعواقبه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت