فهرس الكتاب
والنموذج الثاني عموم المترفين من أهل المدينة المتنعمين بنعمها، والآكلين من خيرها، والمتمتعين بكل ما فيها، أو يأوي إليها من خيراتٍ، وهم الذين يبحثون عن التجديد في المظاهر كالملابس والموضة والثياب وواجهات البيوت والأبنية وما تحتاج الظواهر الخارجية. إنهم يحبون البهرجة ومظاهر العظمة والتلبس بلبسها، ولا يجدون شعورًا بالخوف من المستقبل أو الفقر أو الضعف فهم ملكوا من الشعور بالقوة على التدمير إلى حد أنهم صاروا يدمرون أثمن ما في الحياة ألا وهو الوقت الذي يعيشونه بتوافه الأمور، وكل أمر يتصدون له إنما يكون بغية المضاهاة حتى العلماء طلبوه للذكر والصيت وللتقرب من ذوي السلطان كما تكشف عن ذلك مقامات الزمخشري (21) - رحمه الله .
والنموذج الثالث للأشقياء في هذه المدينة ممن يبحثون عن الحيلة للوصول إلى رزقهم وسبل عيشهم، من ذوي البطالة المقنعة بقناع من وهم العمل، وهي لا تنتج شيئًا، بل تستر كرامتها بما يوهم أنها تعمل عملًا نافعًا، وقد أشار إلى هذا النموذج بشخصية أبي الفتح الإسكندري الذي هجر العلم والأدب بعد أن صارا لا يسمنان ولا يغنيان من جوع، وصارت التقدمة للاهتمامات التافهة والأعمال غير المنتجة، مما يهدد كيان المجتمع بالانهيار والسقوط، لأن عظمته جوفاء، واهتمامات أهله من نمط الغثاء.