فهرس الكتاب
وعبقرية بديع الزمان أنه جمع لك النماذج البشرية الفاعلة في الحياة العباسية في ساحة من ساحات المدينة بمشهد واحد، وأعطاك مؤشرات الحركة الحضارية والاقتصادية والاجتماعية لكل أبنائها الفاعلين، فالرجال، وهم بناة المجتمع وحماته في تلك الأزمان كانوا في الساحة لاهين عابثين، ولا شك أن الأطفال والنساء كانوا في بيوتهم أو شرفاتها يُنغضِون بأعناقهم إلى مشهد اللهو والعبث، ويطلقون صيحات الضحك، وتلتوي أعناقهم من الطرب أيضًا، لأنهم أكثر استجابة للطرب واللهو من الرجال في ظروف الحياة المتوازنة فكيف إذا اختلت شروط التوازن في البنى الحضارية للمجتمع، فلا بد من عموم البلوى، كما يقال. فالصلاح في المدن قليل - بصورة مدهشة - كما عرضه بديع الزمان، وهو يرسم شخصيات الخير فيها متأثرًا بعمق الرؤية القرآنية التي تجعل رجلًا واحدًا يتصف بالحكمة والوعي من أهلها، ويأتي دائمًا من أقصى المدينة يسعى (22) مما يجعله على قرب من الحياة الوسطى بين المدينة والبادية، وهو إلى المدينة أقرب، ولو كان من سكانها فإنه لم ينخلع من ثوبه القروي أو الريفي.
وجعل بديع الزمان الفقر سببًا في توازنه النسبي، ولم يترك ذلك للبيئة، فكأنه يربط فضائل الحياة بالغنى والفقر، أي بالحياة الاقتصادية. وكأنه يؤكد حقيقة نهاية الدورة الحضارية التي تبدأ قوية بثوب البداوة وتنتهي عصبيتها في المدن، فتتلاشى الحضارة وتنتقل إلى أمة أخرى تبدأ بها حركتها ونشاطها من جديد إلى أن تصاب بآفة الدورة الحضارية، وهكذا على نحو ما أثبت ذلك التوحيدي (23) ، وابن خلدون (24) من بعده.