فهرس الكتاب

الصفحة 19931 من 23694

ومن شخصيات المدينة غير البشرية القرد والكلب المحرَّج، وقد كشف عيسى بن هشام بذكرهما عن موقع الحيوان عند المترفين، ذلك أن القرد كان موضع متعة وتلذذ عند المترفين من غير أن يرعوا حاله، ولا يلحظوا عنصر إكراه الحيوان بإخراجه على نمط حياته وسلوكه المألوف، فقد جعلوه موضوعًا للفرجة واللهو بغض النظر عن واجب الرفق به. لكن الكلب فقد كانوا يطوقونه بالزمرد واليواقيت، والذهب والفضة كل على حسب حاله وذوقه. مما يبين أن المال صار زينة للكلاب وممنوعًا على العلماء أو الأدباء من أمثال أبي الفتح، فوضعت الأمور في غير مواضعها، وخرجت عن سننها المستقيم مما ينذر بسقوط الحضارة لتقدم الشهوات على الواجبات، والحيوان على الإنسان. هذا إذا حملتَ مشهد القرد على أنه حقيقة طبيعية، ومقولة عرفية، بيد أن البدعة الأدبية ربما كانت افتراضية مجازية، فيكون القرد مضروبًا مثلُه على جهة رمزية، يقول مؤداها:

"واسجد لقردِ السوء في زمانه * ـ * ـ * ودارِهِ مادمتَ في سلطانهِ"

وقالوا: أزنى من قردٍ، و أحكى من قردٍ؛ لأنه يحكي الإنسان في أفعاله سوى المنطق.وقالوا: أقبح من قردٍ، وأولع من قردٍ" (25) "

فالقرد رمز للقول المشهور: الناس على دين ملوكهم من جهة خضوعهم للهو والشهوات، والمحاكاة خوفًا من سطوة السلطان، وطبعًا من طباع المغلوبين، والفسق والفحش صار في الساحة يستمع به الناس جهارًا نهارًا، لا فرق في ظاهر الصورة بين من ينكر بقلبه، ويظهر الطاعة بغلبه، ولا من يقبل عليها طائعًا، فغلب عنصر القهر: قهر السلطان وقهر الفطرة أو الغريزة.

*موضوع المقامة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت