فهرس الكتاب
تناولت المقامة الوجهين الظاهر والباطن للمدينة، فالوجه الظاهر وهو الغالب، وليس الأغلب عليها يظهر أن للمدينة القوية مشكلة مهمة هي مشكلة الفراغ في الوقت، وانعدام الحاجة الملحة للعمل، وطريقة إزجاء أوقات الفراغ، في مدينة تأوي إليها خراج المدن الأخرى، وفضل أموالها، وخير أبنائها وبناتها، كل ذلك يتقاطر إلى العاصمة دار السلام والأمان بغداد، وكبار القوم يشغلون أوقاتهم بتغيير واجهات البيوت بين الفينة والأخرى، ويقومون بتقديم الجديد من الزخرفة للعمارة، والمزيد من التزيين، والحفاظ على مظهر العظمة السياسية والاقتصادية، وربما العسكرية.
المشكلة مشكلة الفراغ، والقضية هي قضية البحث عن الجمال في الصورة، وتجسيمها على العمران، والصورة في مشاهد الحياة وفي علاقة الإنسان بالحيوان: البهائم والأنعام وغيرها، وبالناس الذين لم يعرفوا من أين تؤكل الكتف؟ وكيف يحصل المتسلقون على الأموال والثروات الكثيرة المهولة؟ مما يفتح نافذة خفية على الوجه الباطن للدولة العباسية لينكشف بالموقف والصورة الوجه القبيح للمجتمع المبني على ترف نخبة واسعة من الناس، لكنها لا تلتفت لأولئك الذين يكدون على حساب كرامتهم الاجتماعية، ومكانتهم العلمية والأدبية ابتغاء الحصول على لقمة العيش المسروقة لمتع هؤلاء.
إنها الصورة العميقة التي تبرز الخلخلة الطبقية في بنى المجتمع، ذلك أن الفقراء من أهل العلم لا يجدون تكريمًا لعلمهم كما أوجبت رسالة البلد الحرام، وذلك لقيام الفوارق بين الناس على أساس العلم والعمل الصالح، وليس على أي أساس آخر، بيد أن النظام العباسي يقدم الأسرة على الفكرة، والمال على العلم ، وقيمة كل امرئ ما يملكه، وليس ما يحسنه.