فهرس الكتاب
لعل خلاصة فكرة المقامة تقوم على أن مكانة أهل العلم والأدب تدنت في هذه المدينة، وصار العالم أو الأديب يعمل قرادًا ليكسب وفرًا وغنى في الحياة، ومبنى الفكرة يقوم على اختلال الموازين بين قيم البلد الحرام في صورتها المثلى أو الافتراضية المتسلطة على الأرواح والأنفس وقيم المدينة العزيزة بقوتها ومالها وسلطانها على الأبدان والشهوات والثروات ( دار السلام ) . وبهزيمة العلم في الدولة وهزيمة العمل المنتج تطل بشائر السقوط وعلاماته.
فالمقامات تبعث بصفارات الإنذار لذوي السلطان لعلهم يستيقظون لما يجري حول قصورهم وفي أعماق مجتمعاتهم مما تخفيه الصدور الغالبة على بطانتها، والشعوب المغلوبة على غالبيها. لكن كيف عبر بديع الزمان عن الفعل السردي في المقامة؟ وكيف صور المشهد الدال على ما أراده؟ وما علاقة عيسى بن هشام بهؤلاء الناس؟ وما علاقته بالقراد؟ وكيف وصل بالمقامة إلى مغزاها القائم في بنية المجتمع المفتقر إلى من يقوم لمعالجة أوضاعه وبنيانه على مستوى فهم الديانة ومستوى وعي الحركة العلمية والنفسية للمجتمع؟
* مشهد من دار السلام:
عرض بديع الزمان موضوع المقامة مقرونًا بحركة الزمان والمكان والإنسان، واتخذ له مركبًا على جناح مشهد حي، كأنه عين آلة تصوير للرائي، تنقل الصور حية متحركة، وترصد الحركات والهمسات والأصوات، مثيرة الضحك والتفكر والشعور بالبهجة مقرونة بالمرارة، وذلك في تعبيره عما جرى أمام عيسى بن هشام، وبحضرته ومشاركته، وذلك بقوله: