فهرس الكتاب

الصفحة 19934 من 23694

"إذ انتهيتُ إلى حلقةِ رجالٍ مزدحمينَ،يلوي الطربُ أعناقَهم،و يشقُّ الضحكُ أشداقَهم. فساقني الحرص إلى ما ساقهم، حتى وقفتُ بمسمعِ صوتِ رجلٍ، دون مرأى وجهِهِ؛ لشدة الهجمةِ، وفرط الزَّحمةِ، فإذا هو قرَّادٌ يُرقصُ قردَهُ، ويُضحكُ مَن عندَهُ، فرقصتُ رقصَ المحرَّج، وسرتُ سيرَ الأعرج، فوق رقاب الناسِ، يلفظني عاتق هذا لسرة ذاك، حتى افترشتُ لحيةَ رجلين، وقعدت بعد الأينِ، وقد أشرقني الخجلُ بريقهِ، وأرهقني المكان بضيقه، فلما فرغ القرَّاد من شغله، وانتفض المجلس عن أهله، قمتُ، وقد كساني الدَّهشُ حُلَّتَهُ، ووقفت لأرى صورته، فإذا هو - واللهِ - أبو الفتح الإسكندري، فقلتُ: ما هذه الدناءةُ ويحَكَ ؟!! فأنشأ يقول:"

الذَّنبُ للأيَّامِ لا لي * ـ * ـ * فاعتِبْ على صرفِ الليالي

بالحمقِ أدركتُ المنى * ـ * ـ * ورفلتُ في حللِ الجمالِ""

المشهد قائم في ساحة من ساحات بغداد، مؤلف من رجال مزدحمين، مأخوذين بخفة الطرب والفرح، فالطرب تجده في أعناقهم الملتوية يمينًا أو شمالًا، والفرح ظاهر في ضحكاتهم، وهم في نشوة من مشهد يشهدونه، ويلتفون حوله، ويتدافعون من أجل الإطلالة على الساحة لتكون العين واقعة من قرب على المشهود من المشهد.

لما رأى عيسى بن هشام حرصهم على التزاحم والمشاهد، رصد الطرب في أعناقهم الملتوية، والضحك في أشداقهم فتحركت أشواقه، وتطلعت نفسه إلى معرفة ما أثار هذه الجموع، فاتخذ سبيله إلى وسط الحلقة ليعرف سر هذه الزحمة، وشدة الهجمة على وسط الحلقة، فوصف لنا سيره، ومشهد حركته بأنه يشبه الراقص الأعرج، لأنه لا يستطيع أن يستدير في حركة وركيه، فإذا أراد اليمين دفعه من حوله إلى الشمال، وإذا أراد الشمال دفعوه نحو اليمين، وإذا أراد التقدم دفعوه نحو الخلف، ولو أراد الخلف دفعوه نحو الأمام لشدة الزحام وحرص الجميع على ما حرص عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت