فهرس الكتاب
أراد أن يبين شيئًا غريبًا في حياة المدينة عندما شبه نفسه بالكلب المطوق المدلل الذي يزينه أصحابه بأطواق من الجواهر الثمينة، وهو تشبيه ماكر بالمدينة وأهلها وحقيقتها الجوفاء، وضجيجها الفارغ الذي تبين له في نهاية المطاف بعد أن أقعده التعب وبذل المجهود عن السعي، وسمع صوت قراد دون أن يتمكن من مشاهدته، وكان يرقص قرده، ويضحك من عنده، فاستبان له تفاهة اهتمام المترفين من أهل المدن، ودنو همتهم عن معالي الأمور وانشغالهم بقضايا الزينة والشكل على حساب الحقيقة والجوهر، فكأن الكلب المطوق صورة اقتبستها المدن المترفة في أوربا والغرب من حياة المدينة العربية التي لا نعلم من أين اجتذبتها إليها ؟ ذلك أن الكلب ممنوع معاشرته على أهل المدينة العربية الإسلامية، و مسموح به للأعراب فقط يحمون به أغنامهم ومواشيهم (26) ، فليس من سمة المدينة العربية تربية الكلاب، ولا الاهتمام برقصة القرد من همِّ أهل المدن العربية وهم الذين حملوا أمانة الحضارة والمدنية للأمم، والإنسانية، بيد أن المؤلف أراد أن يظهر لحظات السقوط والعوامل المساعدة لها ليجتنبها من يستطيع وقف دواعي السقوط أو الانهيار. لكنها صيحة في واد. ذلك أن وعي فرد لا يستطيع أن يوقف سقوط القطيع، ولا كسر غريزته الراغبة بالسقوط.
خرج بنا الراوي ( قناع المؤلف ) من المشهد وانقضائه، وانصراف أهله إلى مواجهة الشخصية المجهولة التي جلبت بعقلها وذكائها وفطنتها انتباه الجماعة أو الدهماء إلى ما تحبه وتشتهيه، وما توجبه أطوار السقوط الحضاري من وسائل اللهو والعبث بالزمن والطاقة والحياة.
إنه أديب أو عالم ترك أدبه وعلمه وسار إلى اقتناص الرزق بغض النظر عن تفاهة الوسيلة، وجرم ترك الاختصاص، ذلك المشهد الذي يروعك في أمسه عاد اليوم إلى عالمنا العربي، فما أشبه اليوم بالبارحة!!.