فهرس الكتاب
فعلامات السقوط واحدة، والنتائج المنتظرة قادمة، وصاحبنا الذكي البطل الإعلامي الذي قاد الناس من طربهم ولهوهم جاهز لاقتناص حقه وماله من فضلات أيدي المترفين، ويرد المؤلف المسؤولية إلى الشروط الاقتصادية التي أغنت طبقة المترفين وذوي الاختصاصات التافهة التي تشغل غرائز القطيع ولا تحرك قلوبهم أو عقولهم للأمة ومستقبلها أو متابعة النهوض أو حراسة البناء وصيانته من عوامل الحتِّ والتعرية. إنه أبو الفتح الإسكندري ترك طريق العلم أو طريق الفقر، وعمل بصنعة يراها أهل فنه تافهة لكنها جعلته ينتقل من شعارهم: زاد العلماء خبز وماء،إلى أن صار يرفل بالجمال والخير.
بهذا المشهد كله أراد حقيقة أثبتها علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - عندما قال موضحًا أسباب اختلال القيم باختلال توزيع الثروة في الأمة،بقوله الخالد:"ما جاع فقير إلا بما متع به غني"(27(
هذه العبارة العلية تعد زبدة تسعى المقامة بمخيضها إلى إثباتها بخلاصة خاتمتها التي جاءت شعرًا منحرفةً عن نقد سياسة الدولة، راميةً نبالها جهة الأيام والليالي القاهرة بتقلبها، ومشيرةً إلى المعضلة الاقتصادية معضلة الغنى والفقر التي تعد أساسًا لإصلاح السلوك أو إفساده، من غير اقتضاء حتمي.
*ختام المقامة:
جدد بديع الزمان في بنية النص عند العرب عندما جعل أفكار النص وخيوط حركته الفنية تجتمع وتتكاثف قوتها في نهايته وليس في مطلعه على طريقة العرب في قصائدهم، فقد تقرب إليهم بأخذه التسمية طريقة والإسناد أسلوبًا للسرد أو الحكي، والمقامات قبالة المنازل عند العرب وهي مؤقتة مثلها لا تدوم وإن كان أهلها ثابتين ثبات شخصيتي عيسى بن هشام وأبي الفتح الإسكندري من جهة المثال الإنساني، غير أن المواقف والأحوال والمشاعر والمقامات والأقوال كل ذلك يصيبه التغير كما في المقامات تمامًا.