فهرس الكتاب
وطبيعة الانتقال في المقامات قائمة من مدينة إسلامية إلى أخرى على خلاف تنقل المنازل عند أهل البادية من أرض أصابها المحل الطبيعي إلى أرض أخرى فيها كلأ وماء، أي من برية إلى أخرى، غير أن محل المقامة هو المدينة الإسلامية وآفاتها متعددة، لكنها من صنع الإنسان وقوى المال وطغيان السلطان، و ليست من قسوة الطبيعة أو محل المكان. المهم أن المقامة ختمت ببيتي شعر جمعا خلاصة ما جرى ومغزاه خلافًا للقصيدة العربية ونص الإنشاء العربي الذي يجعل جماع النص في مطلعه، ويترك الخاتمة مفتوحة للحياة والتغير والإضافة والحذف، وليس ضربة لازب أن تختم المقامة بالشعر فقد تختم بغيره من غير تغير لوظيفة الخاتمة.
* سردية المقامة:
المراد بسردية المقامة طريقة بنائها فكرة ولغة وموضوعًا مما يجمع ما تقدم قوله بإيجاز، ويضيف إلى ذلك آية وحدة النص وتناسبه لغة وفكرة وبناء.
أما سردية بنائه فكرًا ومنهجًا فقد أوضحنا ذلك بأن منهجه في كل مقامة يقوم على الخطوات الآتية: تسمية المقامة أو عنوانها، وإسنادها إلى عيسى بن هشام، وتحديد زمانها، ومكانها على وجه عام أو خاص، وحال الراوي، وحال المكان، والموقف الذي يحمل الغموض يعرضه بمشهد من حياة المدينة نفسها أو في الطريق إليها. ثم الكشف عن الشخصية التي تجمع الناس حولها وهي شخصية أبي الفتح الإسكندري. ويكشف عن سر موقفه وغرابة سلوكه، ويختم المقامة على لسانه، أو على لسان الراوي نفسه.
وأما ترتيب النص وتلاحقه فلم يكن له من وسائل خارجية سوى الإسناد والعنوان، وقد بينا وظيفة كل منهما من قبل، وكأنه استغنى بهما عن براعة الاستهلال التي تجعل مقدمة النص متضمنة الإشارة الواضحة بلطف لا يكاد يخفى إلى موضوعه، لكنه بدأ بتقديم شخصية الراوي الذي اندفع يسرد علينا ما جرى له بعد عودته من البلد الحرام وقرن ذلك بحاله وحال الزمان والمكان والمدينة: الواجهات العمرانية والسكان.