فهرس الكتاب

الصفحة 19942 من 23694

لم يكتف الراوي ببيان حاله قافلًا من البلد الحرام، بل أراد أن يكشف عن أثر الرحلة في نفسه وروحه وسلوكه، فانتقل يصف حاله من غلبة الاسمية التي تعني التوكيد والثبوت للحدث، في الزمان والمكان، إلى وصف حاله النفسية بصيغة الفعل ( أميس ميس الرِّجلة على شاطئ الدِّجلة، أتأمل تلك الطرائف، وأتقصى تلك الطرائف..) مما يعطي الحال وحدة التعلق بصاحبها الراوي، ويظهر طبيعتها النفسية المتغيرة بتغير زمن الفعل وطبيعة الحدث. وفيه تجد التعبير بالمحسوس (أميس) و ( أتأمل) و (أتقصى) تتناول الجانب المادي والعقلي من صاحب الحال، فبدنه كله يميس إشعارًا بالخفة والفرحة بالوصول، حتى إنه يستشعر روعة الولادة من جديد، فيشبه حاله بحال البقلة الطرية التي نبتت على ضفاف نهر خصب العطاء كدجلة العرب.

وأظهرت الحال الحسية بقوله: (أتأمل ) مشاركةَ البصر والعقل والتفكر والتدبر بموضوع جديد هو حال واجهات البيوت في دار السلام، فكأنه يجعل تطهره بزيارة البيت الحرام سببًا للتفرغ والتفكر بالزينة والتغير والتطور الذي أصاب المدينة ( بغداد ) في غيابه القصير، وكأن تحرر النفوس يقود إلى انطلاق الحس نحو العقل وعراه القوية، فذهب بحواسه يبحث عن عناصر الجدة متفكرًا بها وبأسبابها، وشرع يملأ أعماقه بهذه الزخارف وما تحمله من أسرار المجتمع المترف، وما تعنيه من أثر على مستقبل الأمة. فكان الربط بهذه الجمل الفعلية:

( أميس ميس الرجلة ) ( أتأمل تلك الطرائف ) (وأتقصى تلك الزخارف )

إضافة إلى الحال المتقدمة عليهما بصورتها الاسمية التي تحمل رائحة الفعل (قافلًا ) فهذه الأحوال مشدودة إلى صاحبها، مظهرة أحواله النفسية، وأثرها في حركته الجسمية: (أميس ميس الرجلة) وحركته البصرية (أتقصى ) وحركته العقلية ( أتأمل ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت