فهرس الكتاب
فهو قد جعل الحال اسمية مرة، وفعلية مرارًا، وكان بذلك موفقًا في تعبيره عما تم وانقضى بصيغة الحال الاسمية ( قافلًا ) ليدل على ثبوت الأمر، وتحققه وانقضائه، ثم أردف ذلك بالتعبير عن أحوال كانت ما تزال مستمرة في حياته، فعبر عنها بالجمل الفعلية، متخيرًا المضارع ليدل به على الحركة الزمنية والاستمرار للحال العقلية والنفسية، فجعل لكل حال ما يناسبها من التعبير.
انتقل بعدئذٍ إلى نتيجة ذلك التأمل فإذا هي مفاجأة في صورة المجتمع بعد أن تفاجأ بحركة العمران وازدياد ظواهر الترف وطغيانها على شوارع المدينة. فكانت المفاجأة مقرونة بقوله في جملة الجواب:
"إذ انتهيتُ إلى حلقةِ رجالٍ مزدحمينَ، يلوي الطرب أعناقهم، و يشقُّ الضحكُ أشداقهم. فساقني الحرص إلى ماساقهم، حتى وقفت بمسمعِ صوت رجلٍ، دون مرأى وجهِهِ؛ لشدة الهجمةِ، وفرط الزَّحمةِ، فإذا هو قرَّادٌ يُرقصُ قردَهُ، ويُضحكُ مَن عندَهُ."
ما يجمع جملة الجواب إلى جملة السبب قبلها هو الوقت بل سرعة الوصول إلى المفاجأة في المدينة فصارت جملة السبب أو الحال - على تعدد الأحوال فيها وتنوعها - تدل على تكثيف وحشد وإيجاز، وقدرة على شدة الربط بالأحوال بين الجمل الفعلية وصاحبها مما يجعلها برتبة المفرد عند تقدير المعاني فكأنها لشدة تماسكها وقوة ربطها جملة واحدة، والتراخي فيها جاء بعطف جملة (أتقصى) على جملة (أتأمل ) ولو تنبهت إلى أن ( أتأمل) جملة فعلية حالية من باب تعدد الحال وجعلتها برتبة اللفظ المفرد من الجملة كان المعطوف عليها بالفعل أتقصى تراخيًا في ربط اسم باسم وليس جملة بجملة، على وحدة التعلق بصاحب الحال، وهو الراوي، أو قناع المؤلف.