فهرس الكتاب
إن المعاني، بوصفها مدلولًا تدل على العلامات اللغوية، هي فيما يذهب إليه حازم القرطاجني"الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان" (30) . وهذه الصور الحاصلة في الأذهان (المفاهيم الذهنية) ليست إلا محصلة لعملية إدراك الواقع الخارجي، وليست العلامات اللغوية إلا عبارة عن هذه الصور الذهنية المدركة. من هنا تتساوى العلامات المنطوقة بالعلامات المكتوبة، أي: أن الألفاظ تتحول في الذهن إلى مجموعة من الصور والمفاهيم. وبعبارة أخرى تتحول من وجود عيني محسوس إلى وجود ذهني متخيل، ثم تتحول من هذا الوجود الذهني المتخيل إلى معان صوتية، فرموز كتابية. يقول حازم القرطاجني:"كل شيء له وجود خارج الذهن فإنه إذا أدرك حصلت له صورة في الذهن تطابق ما أدرك منه، فإذا عبر عن تلك الصور الذهنية الحاصلة عن الإدراك، أقام اللفظ المعبر به هيئة تلك الصورة الذهنية في أفهام السامعين وأذهانهم، فصار للمعنى وجود آخر من جهة دلالة الألفاظ. فإذا احتيج إلى وضع رسوم من الخط تدل على الألفاظ لمن لم يتهيأ لها سمعها من المتلفظ بها، صارت رسوم الخط تقيم في الأفهام هيئات الألفاظ، فتقوم بها في الأذهان صور المعاني، فيكون لها أيضًا وجود من جهة دلالة الخط على الألفاظ الدالة عليه" (31) .
إن ما قدمه القرطاجني في هذا النص يقيم العلاقة بين الدلالات الصوتية والرموز الكتابية على أساس من الترابط الدلالي، حيث تجسد الرموز الكتابية هيئات الألفاظ في الأفهام. فإذا قامت هيئات الألفاظ في الأفهام تطلبت واستدعت الصورة الذهنية. والصورة الذهنية تشير بدورها إلى المدركات العينية الخارجية. وهكذا تجد العلاقات الدلالية قائمة على الترابط بين كل طرفين. وهذه العلاقات الدلالية عند القرطاجني يمكن تمثلها على النحو الآتي:
-الرموز الكتابية (دال) ? الصورة السمعية للألفاظ (مدلول) .
-الصورة السمعية للألفاظ (دال) ? الصورة الذهنية (مدلول) .