فهرس الكتاب

الصفحة 19970 من 23694

وعبد القاهر الجرجاني وإن كان لا يتحدث عمّا يسمى بالتحول الدلالي، فإنه يتحدث عن المعنى ومعنى المعنى. فقد بين عبد القاهر الميدان الإجرائي للعلامة حين صنف الخطاب المنجز في الفكر الإنساني، فيقول:"الكلام على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده،.. وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض.. أولًا ترى أنك إذا قلت:"هو كثير رماد القدر"، أو قلت:"طويل النجاد"، أو قلت في المرأة:"نؤوم الضحى"، فإنك في جميع ذلك لا تفيد غرضك الذي تعني من مجرد اللفظ، ولكن بذلك اللفظ على معناه الذي يوحيه ظاهره، ثم يعقل السامع من ذلك المعنى على سبيل الاستدلال معنى ثانيًا (37) ."

وإذا تأملنا قول الجرجاني، فإننا نجده يماثل مفهوم بيرس للعلامة، من حيث قابلية التفسير، لأن تتحول إلى متوالية من العلامات، لها فضاء دلالي غير محدد فيقول:"المعنى ومعنى المعنى، تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ الذي تصل إليه بغير واسطة، ومعنى المعنى هو أن تعقل من لفظ معنى، ثم يقضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر" (38) .

يفهم من هذا القول أن المعنى (المدلول) ، قد يتحول إلى مبنى (دال) باحثًا عن مدلول آخر، أي: أن المعنى بحد ذاته إشارة تعود على موضوعها الذي أفرز المعنى.

الخاتمة:

يتضح من هذا البحث المتواضع، حول علم السيمياء في التراث العربي، أن القدامى قد تفطنوا في وقت مبكر إلى قيمة العلامة، من حيث هي حقيقة حسية تعود وتحيل إلى حقيقة مجردة غائبة. وكانت دراستهم التطبيقية تتمركز حول الدراسات القرآنية؛ فالقرآن هو الموجه والباعث الحقيقي للدرس السيميائي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت