فهرس الكتاب
يرى أبو حاتم، إذن، أنّ تطويلَ الصوت -أي مدّته- يدلُّ على معنى النداء وعلى معنى الشكاية، فربط مدَّ الصوت بالمعنى. وهذا أمر لا يمكن إدراكه إلاّ بالكلام المنطوق ويقصّر الكلام المكتوب عن نقله وهذا ينقلنا إلى الحديث عن أهمية المشافهة في نقل التنغيم، فقد كان للمسلمين في التلقي الشفهي مناهج دقيقة، إذ كانوا يرون أنّ النقل من الأفواه هو النقل السليم الذي ينفي كلّ لَبْسٍ يعتريه، فابن الجزري في تعريفه للمقرئ يقول إنه"العالم بالقراءات رواها مشافهة، فلو حفظ"التيسير"مثلًا ليس أن يقرأ بما فيه إنْ لم يشافهه مَنْ شُوفِه به، مسلسلًا؛ لأنّ في القراءات أشياء لا تُحكَم إلا بالسّماع والمشافهة" ( [15] ) .
وليس بمستغربٍ أن يحظى القرآن بكلِّ هذه الحظوة والدّقة في النقل الشفوي، فالمشافهة هي المنهج الصارم في إحكام التلقي الشفوي للقرآن، وواضح من قول ابن الجزري الآنف الذكر أنّ من أحكام القرآن ما لا يمكن إحكامه أبدًا إلا بالتلقي بالشفهي، فعلامات التفخيم والترقيق، والمد، والقصر، والحذف.. المثبتة كلّها في المصحف المكتوب لا تكفي لتعليمه. أما إعطاء الأصوات حقوقها وترتيبها، وردّ كلٍّ منها إلى مخرجه وأصله، والنطق به على كمال هيئته من غير إسرافٍ ولا تعسّف ولا إفراط، ولا تكلّف.. فلا يمكن أن نتحقق إلا بوساطة تحويل المصحف المكتوب إلى المصحف بالمشافهة، بل قد يؤدي عدم السماع بالمتعلم خاصة إلى التفريط، فيولّد الحروف من الحركات، أو يطنن النونات بالمبالغة، أو يطيل الممدود.. الخ مما يدخل في إطار العيوب والإخلال بالمعنى.