فهرس الكتاب
لقد أدرك علماؤنا وجوه المخاطبات والخطاب في القرآن التي لا تخرج عن إطار العادات النطقيّة السليمة التي تساهم في تعزيز المعنى وإفهامه دون مبالغة، ولا تخرج، بالتالي، عن كونها تلوينات صوتيّة تدخل ضمن التنغيم السليم للنّص القرآني؛ فمن المعلوم أنّ للقرآن أغراضًا منها: الإعلام، والتنبيه، والوعد، والنهي، ووصف الجنّة والنار، والرد على الملحدين والكافرين... وليس طبيعيًّا ولا سديدًا أن تقرأ موضوعات هذه الأغراض كلها بتنغيم واحدٍ. وقد تحدّث الإمام الزركشي (794هـ) في كتابه"البرهان"عن وجوه المخاطبات والخطاب في القرآن، ويذكر أنها تأتي على نحو من أربعين وجهًا ( [16] ) ، وإدراكه لتنوّع الأساليب في القرآن هو ما دفعه غير مرّةٍ في كتابه المذكور إلى القول:"فمن أراد أن يقرأ القرآن بكمال الترتيل فليقرأه على منازله، فإنْ كان يقرأ تهديدًا لفظ به لفظ المتهدِّد، وإنْ كان يقرأ لفظ تعظيمٍ لفظ به على التعظيم" ( [17] ) .
ويرى في موضعٍ آخر أنّ القارئ المجيد هو الذي"تكون تلاوته على معاني الكلام وشهادة وصف المتكلّم؛ فالوعد بالتشويق والوعيد بالتخويف والإنذار بالتشديد، فهذا القارئ أحسن الناسِ صوتًا بالقرآن، وفي مثل هذا قال تعالى: )الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حقَّ تلاوته أولئك يؤمنون به ( [البقرة 121] ( [18] ) ."
فإذا كان التنغيم الباكي مقبولًا مثلًا في آيات الاستغفار والتوبة فلا بد له من أن يختلف عن تنغيم الآيات التي تحضُّ على القتال؛ أي يجب أن يوائم التنغيم المعنى ويظهره، ليجعل المقروء مستقرًّا في ذهن السامع وقلبه، فاللين غير الشدة، والأمر والنهي غير الدعاء والالتماس، والخبر غير الاستفهام، والوعد غير الوعيد.
وهذا ما رآه الإمام الزركشي وأكّده بالآية القرآنية التي أوردها.