فهرس الكتاب
فقال الكسائي قد أقوى الشاعر، فقال له اليزيدي، انظر فيه. فقال: أقوى لا بدّ أن ينصب المهر الثاني على أنّه خبر كان، فضرب اليزيدي بقلنسوته الأرض وقال: أنا أبو محمد.. الشعر صواب إنّما ابتدأ فقال: المهرُ مهرُ" ( [16] ) . ... عددَ الرمل والحصى والتراب"
لقد رأى الكسائي إقواءً واردًا في رفع كلمة (مهر) والصواب نصبها باعتبارها خبرًا لكان في رأيه. ولم يفطن الكسائي لما رآه اليزيدي الذي استخدم شيئًا جديدًا في تفسير البيت وهو الوقف أو قل التنغيم الذي جعل جملة (لا يكون) - التي ضغط عليها حين النطق وأخذت مطًّا صوتيًا لم يعهد لها بعيدًا عن هذا السياق -لا صلة بينها وبين ما بعدها فهي توكيد لما قبلها من حديث" ( [17] ) ."
ومن الإشارات الواضحة التي تدل على إدراكهم علاقة تنغيم الجملة وطريقة قراءتها بالمعنى ما ذهب إليه ابن الشجري في أماليه في ثنايا حديثه عن ورود الاستفهام بمعانٍ متباينة له وذلك عندما قال:"ويكون توبيخًا كقوله: )أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علمًا- أفبالباطل تؤمنون- أتعبدون ما تنحتون- كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم... ( وكذلك هي توبيخ في قراءة مَنْ قرأها بلفظ الخبر..."( [18] ) .
وتبرز أهميّة التنغيم في التأويل النحوي، ويمكن أن نأخذ مثالًا الخلاف في همزة الاستفهام، فقد ذكر القرّاء أنّه يجوز حذف همزة الاستفهام في الكلام، فيصبح الكلام بلفظ الإخبار ويدلُّ المعنى على الاستفهام، قال تعالى: )وإذا ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ فأتمَّهنّ قال: إنّي جاعِلُك للناس إمامًا قال وَمِنْ ذُرِّيتي ((البقرة 124) . فالتقدير: أو من ذُرِّيتي؟ ( [19] ) .
وتابعه الأخفش فأوضح أنَّ قوله تعالى: )وتلك نِعْمةٌ تمُنُّها عليّ ( /الشعراء 22/. على تقدير الاستفهام( [20] ) ، وأنكر المبرّد حذف همزة الاستفهام بلا دليل على الحذف، فأنكر أن يكون بيت عمر بن أبي ربيعة:
ثم قالوا: تحبُّها قلت بهرًا