فهرس الكتاب
وقد عرف المنتصر ـ على عكس سياسة أبيه ـ بحسن معاملته لآل أبي طالب وعدم تعرّضه لهم. وكانت أول أعماله التي تدلّ على ذلك عزل والي المدينة وتولية علي بن الحسين بن إسماعيل إيّاها، وقوله له"يا عليّ إني أوجّهك إلى لحمي ودمي.. فانظر كيف تكون للقوم وكيف تعاملهم؛ يعني آل أبي طالب" ( [25] ) .
وإذا كان هذا موقف المنتصر من الشيعة فإننا لا نستبعد أن يكون عليّ بن محمد شيعيًّا، أو أنه انتحل التشيّع كي يتقرّب من حاشية السلطان، وإلاّ فلماذا لم يعرف عنه أنه اتصل بأصحاب السلطان إلاّ في هذا العهد بالذات؟ ولماذا انتهت صلته بهم بموت (المنتصر) عام 248هـ؟ يقول ابن خلدون في سياق الخبر"إنه شخص من الذين حجبوا ببغداد مع جماعة من حاشية المنتصر" ( [26] ) . لكن هذا القول لا يعني أنه واحد من هذه الجماعة أو أنه بمكانتها، إذ لم يكن أكثر من متكسّب يستمنح أصحابها بشعره ومنهم معاشه، إلاّ إذا أخذنا لفظة (حجبوا) على غير معناها كما فعل أحد الدارسين، ففسّرها بمعنى اعتقلوا ـ لا بمعنى اشتروا كما هي الحقيقة ـ من أجل إعطاء علي بن محمد قيمة مماثلة لقيمة الحاشية، مع أن موقفها غير موقفه وقضيّتها عير قضيّته؛ لأن احتجاب هذه الجماعة أو تخفّيها ببغداد بعد موت المنتصر ـ وهو ما يعبّر عن موقفها وقضيّتها ـ يعود إلى سبب سياسي لا عقائدي، يتصل بالذين يتلاعبون بمقدرات الخلافة من عزل وتعيين حسب ما تقتضيه مصالحهم؛ ذلك أن (المنتصر) كان متّهمًا بقتل أبيه، وكان على الرؤوس التي شاركت في قتله أن تعمل على إبعاد بطانته ومؤيّديه، وأن تحول دون وصول أحد الأخوين (المعتز والمؤيّد) إلى الخلافة خوفًا من انتقام أحدهما لأبيه. وهذا ما فعله الموالي والأتراك بتدبير من أحمد بن الخطيب (وزير المنتصر وأحد كباء المتنفذين وكتّاب القصر) فعملوا على خلع الأخوين من ولاية العهد ومبايعة أحمد بن محمد المعتصم (المستعين بالله) كي يستأثروا بالسلطة دونه ( [27] ) .