فهرس الكتاب
عُرف عنه في بدايته أنه"كان متشاغلًا بالتنجيم والسحر والاصطرلابات"وطعن بعضهم بدينه"فرماه بالزندقة والإلحاد"واتصل منذ مطلع شبابه"بجماعة من حاشية السلطان، يمدحهم ويستمنحهم بشعره ويعلّم الصبيان الخط والنحو والنجوم" ( [28] ) ومعنى ذلك أنه أخذ قسطًا من العلم في صغره، وتهيأ له أن يلمّ بشيء من الثقافة الرائجة في عصره ألا وهو التنجيم الذي يقوم على الخداع والشعبذة؛ فقد كان التنجيم في ذلك العصر يتصل بالرياضيات والفلك، ومن جهة أخرى بالطب العملي والسحر وما يصاحب ذلك من خرافات. وساد الاعتقاد بتحكم النجوم في أقدار الناس ومصائرهم والتنبؤ بالمستقبل، وراج ذلك بين العامة والخاصة"وتردّد ذكر السعود والنحوس وأسماء الكواكب في كلام الشعراء في القرن الثالث والقرن الذي بعده.. حتى أصبح درس النجوم فريضة على كل رجل مثقف مطّلع على آداب زمانه" ( [29] ) .
يروي عن عبد الله المأمون أنه لمّا استشار الفضل بن سهل في أمر أخيه محمد الأمين، بات يدير الرأي ليلته فلما أصبح غدا عليه فأعلمه أنه نظر في النجوم فرأى أن سيغلبه وأن العاقبة له ( [30] ) ، وهذا هارون الواثق بن محمد المعتصم لما اعتلّ وسُقِيَ بطنه أمر بإحضار المنجّمين.. فنظروا في علته وقالوا يعيش دهرًا طويلًا وقدروا له خمسين سنة يعيشها فلم يلبث إلا عشرة أيام حتى مات ( [31] ) .
وقد ذُكر أن علي بن محمد كان يعمل بالتنجيم وكتابة الحروز ( [32] ) وأنه كان يستطلع النجوم في كثير من الأحيان قبل أن يقدم على أمر ما، ومما قاله فيه أحد شعراء ذلك العصر، وهو يحيى بن محمد الأسلمي بعد مقتله:
أين نجوم الكاذب المارق
صبّحه بالنحس سعد بدا ... لسيّد في قوله صادق
فخرّ في مأزقه مسلمًا ... إلى أسود الغاب في المأزق ( [33] )