وأسواق العرب القديمة موزعة في أنحاء الجزيرة العربية بحسب مكانتها وأهميتها والقائمين عليها والوافدين إليها. فَسُوق"دَوْمة الجَنْدل"لقبيلة كلب، وسوق"المشقَّر"لتميم وعبد القيس، وسوق"هَجَر"في البحرين، وهناك أسواق تضاف إلى أمكنة ومدن خاصة كسوق عُمان، وسوق صُحار، وسوق الشَّحْر، وسوق صنعاء. وهذه الأسواق كلها كانت لقبائل جنوب الجزيرة العربية التي يشقّ عليها الارتحال والسَّفر إلى شمالي بلاد العرب وأسواقها هناك. وإن كان بعض هذه الأسواق كبيرًا وعامًا كسوق عكاظ التي يفد إليها معظم القبائل، ويجدون فيها كل ما يطلبون، ويحقِّقون فيها جلّ ما يرغبون، وقريبٌ منها سوق مِجَنّة وسوق ذي المجاز، حيث تُعقد هذه الأسواق الثلاثة في أزمنة متقاربة ومتتابعة، بحيث ينتهي الناس منها في مدة واحدة، ويتجهون بعدها مباشرة إلى مكة ليقضوا مناسك الحج.
وقد استمرّت هذه الأسواق بعد ظهور الإسلام. وعندما قامت الدعوة الإسلامية وجدت في تلك الأسواق منبرًا لنشرها والتعريف بها وحث الناس على الإيمان بها. فكان النبي e يعرض نفسه في بعض هذه المواسم على قبائل العرب ويدعوهم إلى الإسلام. وقد تمّت في مثل تلك المواسم بيعة العقبة الأولى، والثانية ( [1] ) .
والأسواق في اللغة جمع سُوق وهي موضع بيع البضائع والأمتعة. وأصل اشتقاقها من سَوْق الناس بضائعهم إليها، والغالب عليها التأنيث، وهي لغة أهل الحجاز، ولذلك تصغَّر على"سُويقة"لأنه اسم ثلاثي مؤنث، كما يقولون في"هند": هُنيدة، وفي"شمس": شُمَيْسة. وبنو تميم يذكّرون السوق، وشاهد التذكير قول شاعر أخذه سلطان فجلَده وحلَّقه:
ألم يَعِظِ الفتيانَ ما صار لِمَّتي
ويقال: تسوَّق القومُ: إذا باعوا واشتروا ( [2] ) . ... ركَد الهواجرُ، بالمَشُوف المُعْلَمِ