وإن الذي يطلع على هذا الكتاب القيّم يُكْبر هذا العمل الشاقّ ويوقن تمام اليقين أن صاحبه قد بذل فيه جهودًا مضنية، ولقي عناءً ونَصبًا شديدين، حتى استطاع هذا الكتاب أن يسدّ فجوةً كبيرة من الفجوات في تاريخنا وتراثنا. آية ذلك تلك الحفاوة التي استقبله بها العلماء والأدباء من العرب والمستشرقين استقبالًا ما كان المؤلف"يطمع ببعضه"كما يقول، وأثنوا على الكتاب وصاحبه، ولا سيما المستشرق سالم الكرنكوي (فريتز كرنكو) .
قسم المؤلف كتابه ثلاثة أبواب رئيسية، مهّد بالأوّلَيْن منها للكلام على أسواق العرب، ورآهما لازمين. وقد تضمّنا بحوثًا وثيقة الصلة بموضوع الكتاب، وهي تتّمم الصورة التي يريد المؤلف أن يتمثلها القارئ مستوفاةً في غير نقص ولا زيادة حين يقرأ الباب الثالث الخاص بأسواق العرب، والذي هو أكبر أبواب الكتاب.
والباب الأول عنوانه"شؤون العرب التجارية: بين الجاهلية والإسلام"، ويقع في نحو سبعين صفحة (15-87) .
وهو إلمامة موجزة تهدف إلى بيان اهتمام العرب عامةً بالتجارة، والتجارة أحد مواضيع الأسواق عندهم.
بداية هذا الباب:"تمهيد في تجارة العرب"تحدث فيه عن اهتمام العرب بالتجارة في جزيرتهم، وعن علاقاتهم التجارية والسياسية مع الدولتين العظيمتين اللتين تنازعتا النفوذ والسيادة في العالم عصرئذ، وهما فارس والروم، فضلًا عن علاقات أخرى أضيق حدودًا: كعلاقة الحبشة والهند مع اليمن وعُمان والبحرين، نظرًا إلى الموقع الجغرافي الذي تمتاز به بلاد العرب، والذي أطمع كثيرًا من الفاتحين قديمًا وحديثًا.