وقد شغلت دول العرب القديمة كتدمر وسبأ والمعَينيّين في اليمن المراكز الممتازة في تجارة الشرق. وإن توسط تدمر بين الدولتين: الفارسية والرومانية -بين العراق والشام وجزيرة العرب- جعلها محطة القوافل جميعًا بين هذه الأقطار، فازدهرت تجارتها واشتهرت أسواقها حتى أصبحت قِبلة التجّار من الهند والفرس (وجزيرة العرب نفسها) والعراق وسورية وفلسطين ومصر وأوروبة. ومعروف أن هناك رحلتي الشتاء إلى اليمن والحبشة، والصيف إلى مصر والشام والعراق (ص44) .
فلا بدع في أن تكون التجارة من أول أسباب المعاش للحجازيين، فعكفوا عليها، وتمادحوا بكسب المال، وأخذوا يضربون في الأرض ابتغاء الرزق، وبذلك عرفوا قبل الإسلام كثيرًا من مدن الشام كبصرى وغزّة، ومدن العراق واليمن ومصر. وكانت مكة نفسها المركز التجاري العظيم في جزيرة العرب، وكان على تجارة مكة اعتماد الروم في كثير من شؤونهم. واشتهر كل بلد بما يَصْنع أو يصدّر، وخصّه الله بشيء منعه غيرَه.
فالسيوف والبرود لليمَن، ودباغة الجلْد في الطائف حيث يصدّر إلى الحبشة. واشتهرت هَجَر والبحرين بالتمر الجيد المنقطع النظير. وكان يُحمل من الشام إلى الجزيرة العربية: الزيت والزبيب والخمر، وغيرها.
وهذا الاختلاف والتنوّع في المحصول هو الذي ضمن استمرار الحركة التجارية، الداخلية والخارجية، في جزيرة العرب. وفي القرآن الكريم إشارات ودلالات بعيدة على عظم ما شغلت أمور التجارة من أفكار العرب وخواطرهم، ومن ذلك آية الجمعة التي تقرّعهم حين تركوا الرسول e في"المدينة"يخطب على المنبر، وبادروا إلى تجارتهم قبل أن يفوتهم الربح، فنزل قوله تعالى: )وإذا رأَوْا تِجارةً أو لهْوًا انْفضّوا إليها وتركُوكَ قائمًا، قُلْ ما عندَ اللهِ خيرٌ مِنَ اللَّهوِ ومِنَ التِّجارةِ، واللهُ خيرُ الرّازقين ((سورة الجمعة 11) .