فهرس الكتاب
وفي هذه السوق تقيم القبائل، قُبيل قيامهم بالحج، يتبايعون السلع والبضائع، ويتناشدون الأشعار، ويتفاخرون ويتنافرون وكانت الحكومة في الشعر للنابغة الذبياني، كما كان بنو تميم وأفخاذهم يقومون بأمر الحكومة عامةً والفصل والقضاء بين الناس، وضبط أمورهم من خلال الإشراف على السوق، كما تضبط أمورَ كل قبيلة أشرافُها وقادتُها.
فسوق عكاظ إذن مجمع ضخم حافل لم يكن للعرب أحفلُ منه سياسةً ومفاخرةً وفداءَ أسرى، وأدبًا وحرْبًا ومتاجرة، وهي المعرض العربي العام أيام الجاهلية، بل هي مجمع أدبي لغوي رسمي، يضم الشعراء والرواة من عامة الأقطار العربية، وكل منهم يحمل أدبه و لغته وألفاظه، فما تزال عكاظ بتلك اللهجات غربلةً ونخلًا واصطفاءً حتى يتبقى الأنسب الأرشق، ويُطرح المَجْفُوُّ الثقيل.
وعكاظ هي السوق التجارية الكبرى لعامّة أهل الجزيرة، يُحمل إليها من كل بلدٍ تجارتُه وصناعاته وأدبه: من خمر بلاد الشام والعراق، وبُرود اليمن الموشّاة، وأنواع الطيب والسلاح، ويباع فيها الحرير والأحذية، وزيوت الشام وزبيبها، حتى الرقيق الناشئ عن الغزو، وسبي الذَّراري يباع فيها بيع المتاع التجاري.
ثم إن هذه السوق معرض لكثير من عادات العرب وأحوالهم الاجتماعية التي سبقت الإشارة إلى بعضها: من خطب ومنافرات وتحكيم بين الخلافات، ومصارعة بين الأبطال من الفتيان، ووجود فئات أخرى غير أولئك، من كاهن وعرّاف وعائف وقائف ( [8] ) وقِرْدٍ وغنم وصحيفة وكاتب.
وهناك أناس من غواة الشهرة: هذا يمدّ رجله متحدّيًا وينشد شعرًا ويقول:"من كان أعزَّ العرب فليقطع رجلي". وآخر يأتي عكاظ ببناته ترويجًا لزواجهن، وأناس قدِموا إليها ليختاروا من يتزوّجون إليه. وهكذا تكون في عكاظ أشياء لا تُعهد في أسواق العرب الأخرى.