فهرس الكتاب

الصفحة 20249 من 23694

وعكاظ أيضًا ندوة سياسية عامة، تُقضى فيها أمور كثيرة بين القبائل: من جمع الإتاوات، وإعلان المآثر شعرًا، وإعلان الحرب على عدو، والتشهير بمن يأتي عملًا شائنًا، واستلحاق أحدٍ بنسب رجل، أو التبرُّؤ علنًا من قريب لسببٍ ما، حتى لا يتعامل معه أحد.

والخلاصة أن هذه السوق الكبرى، سوق عكاظ، تمثل لنا ـ بما يكون فيها ـ أحوال العرب وعاداتهم الاجتماعية في جوانب كثيرة كما رأينا. وهناك شبه كبير بين عكاظ ومعارض عصرنا هذا، بل إن عكاظ لأوسع مدى، فهي لا تقتصر على مواد التجارة والصناعة، بل تتعداهما إلى الأدب والشعر والحرب والسّلْم والعادات السائدة. وما يجري في عكاظ كان يجري قريبٌ منه في بقية أسواق العرب، ولكن بصورة مصغرة.

وبعد الكلام المفصل على عكاظ، وأحوالها. وتاريخها، مما سبق بيانه، يعرض المؤلف لنا مُثُلًا ومشاهد ونصوصًا عما كان يجري في عكاظ (293ـ 337) استمدّها من مصادر شتى قديمة، نكتفي منها بالمشهد التالي بعنوان"ما رأيت شيخًا أكذب"ص (337) :

"مرّ المستوغر بن ربيعة ( [9] ) ـ شاعر معمَّر ـ بعكاظ يومًا، وعلى ظهره ابنُ ابنِه شيخًا هرمًا، فأعيا من حَمله، فوضعه بالأرض وقال: عنَّيتَني صغيرًا وكَبيرًا. فسمعه رجل فَساءه ذلك، فالتفت إليه ناصحًا: يا عبد الله، أتقول هذا لأبيك؟ أحسِنْ إليه، فطالما أحسنَ إليك. قال المستوغر: أتدري من هو؟ قال الرجل: نعم، هو أبوك أو جدُّك. قال: هو والله ابنُ ابني. قال الرجل: ما رأيت شيخًا أكذب. لو كنتَ المستوغر بن ربيعة ما زدتَ. قال: فأنا المستوغر بن ربيعة".

وبعد أن يعرض المؤلف هذه المشاهد المختلفة لعكاظ والتي جعلتنا نعيش أجواء هذه السوق، ونستحضرها في أذهاننا خلال قراءاتنا الأدبية أو التاريخية، عن ذلك العصر، يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت