فهرس الكتاب
ثمّ التفت إلى الأسباب الدَّاعية للاحتجاج، فرأى في اللَّحن الباعث الأوَّل على ذلك نتيجة اختلاط العرب بالأعاجم إثر الفتوح، عارضًا للحوادث التَّاريخيَّة للَّحن عرضًا قام على جانب من التَّفصيل الواضح في المتن والحواشي على حدٍّ سواء، مُفيدًا في ذلك من أمَّهات المصادر في تراثنا العربيّ، كـ: الخصائص لابن جنِّي، والمُزهر للسُّيوطيّ، ومعجم الأدباء لياقوت، والأضداد لابن الأنباريّ، وعيون الأخبار لابن قُتيبة، والأغاني للأصفهانيّ... ومن الأمثلة التي عرض لها مُتواليةً قوله:"ومرَّ عمر برجلين يرميان، فقال أحدهما للآخر: أسبتُ، فقال عمر:"سوء اللَّحن أشدُّ من سوء الرَّميّ". فجعل إبدال الصَّاد سينًا من اللَّحن."
وتكاد قصَّة بنت أبي الأسود تكون المَعْلَم المشهور في تاريخ النَّحو، فقد دخل عليها أبوها في وَقْدَة الحَرِّ بالبصرة، فقالت له: يا أبتِ، ما أشدُّ الحرِّ! رفعت أشدّ، فظنَّها تسأله وتستفهم منه: أيُّ زمان الحرِّ أشدُّ؟
فقال لها: شهرا ناجر ( [15] ) ، فقالت: يا أبتِ، إنَّما أخبرتك، ولم أسألك.
ونتقدَّم خطوةٌ من الزَّمن، فيقصُّ علينا ابن قُتيبةَ أنَّ رجلًا دخل على زياد، فقال له: إنَّ أبينا هلك، وإنَّ أخينا غصبنا من ميراثنا من أبانا"فقال زياد:"ما ضيَّعتَ من نفسك أكثر ممَّا ضاع من مالك"... وروى الجاحظ أنَّ أوَّل لحن سُمع بالبادية: هذه عصاتي (بدل عصاي) . وأوَّل لحن سُمع بالعراق: حَيِّ على الفلاح (بكسر الياء بدل فتحها) ."