فهرس الكتاب

الصفحة 20376 من 23694

ولم يكن الأفغانيّ بعدُ ليكتفي بذلك كلِّه، بل تابع بقوَّة الرَّجل العالم البصير بالعربيَّة وقواعدها، فعرض لجملة من الأمثلة الدَّامغة المُدَلِّلة على تعصُّب النُّحاة وقصور استقرائهم وما نتج عنه من قواعد تحتاج إلى إعادة نظر أو تطوير أو تعديل، وحسبنا أن نعرض من هذه الأمثلة لمثال واحد مُطَوَّل، يقفنا بشكل واضح على عبقريَّة الأفغانيّ الفذّة في العرض والتَّحليل والنَّقد بجرأة لا تقوم على العشوائيَّة أو التَّخبُّط، بل على الأسس العلميَّة التي تدين المرء من فمه كما يُقال، فقال ما نصُّه:"زعم النُّحاة أنَّ العرب استغنت عن ماضي (يدع) ومصدره بماضي (ترك) ومصدره، فلم يردا في فصيح كلامها. وأتى بها ابن جنِّي شاهدًا لضرب خاصّ من الكلام، فقال:"فإن كان الشَّيء شاذًَّا في السَّماع مُطَّردًا في القياس، تحاميت ما تحامتِ العرب من ذلك، وجريت في نظيره على الواجب في أمثاله، من ذلك امتناعك من (وذر) و (ودع) لأنَّهم لم يقولوهما، ولا غَرْوَ عليك أن تستعمل نظيرهما، نحو: وزن ووعد، لو لم تسمعهما. فأمَّا قول أبي الأسود:

ليتَ شعري عن خليلي ما الذي

فشاذٌّ، وكذلك قراءة بعضهم: (ما وَدَعَكَ ربُّكَ وما قَلَى) ". ... فرائسَ أطرافِ المُثَقَّفَةِ السُّمْرِ"

وهم في أقوالهم هذه خارجون على أصولهم التي أصَّلوها هم أنفسهم، وإليكَ البيانَ:

أوَّلًا-من المُتَّفق عليه عند اللُّغويِّين والنُّحاة أنَّه لم يصل إلينا من كلام العرب إلاَّ القليل، ولو جاءنا وافرًا، لجاء علم كثير، ومن المُتَّفق عليه عندهم أنَّ اللُّغة إذا وردت في القرآن فهي أفصح ممَّا في غير القرآن.

ثانيًا-بعد هذا نرى أنَّ ما ذهب إليه النُّحاة واللُّغويُّون غير صحيح؛ فقد استعمل الكلمة أبو الأسود في بيته السَّابق، ووردت في قول الشاعر:

وثَمَّ وَدَعْنا آلَ عمروٍ وعامرٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت