فهرس الكتاب
والعلماء يُثبتون استعمال الكلمة بشاهد واحد، إذا لم تُخالف القياس، وكلمة (ودع) على ما مرَّ بك من كلام ابن جنِّي مُطَّردة في القياس، أمَّا قوله:"شاذَّة في الاستعمال"فيُحبطه اعتراف النُّحاة بضآلة ما انتهى إلينا من كلام العرب، وأنَّ أحكامهم عامَّةً مبنيَّة على الاستقراء النَّاقص، كما يحبطه أيضًا ورود كلمة (ودع) في شعر أبي الأسود وشعر شاعر آخر. ... بحاصب من نديف القطن منثور
ثالثًا-نأتي الآن إلى قراءة التَّخفيف في قوله تعالى: )ما وَدَعَك ربُّك وما قلَى( فقد قرأها كذلك عروة ابن الزُّبير وابنه هشام، وهما من هما، بل إنَّ الغريب في ذلك أنَّ ابن جنِّي نفسه نصّ في كتابه المُحْتَسَب على أنَّها قراءة النَّبي e.
وفي العُباب للصَّغانيّ: وقد اختار النّبيّ e أصل هذه اللُّغة فيما روى ابن عبَّاس أنَّه قرأ:"ما وَدَعَك"مُخفَّفةً، وكذلك قرأ عروة ومُقاتل وأبو حَيْوَةَ وابن أبي عبلة ويزيد النَّحويّ.
هذا، وفي النِّهاية لابن الأثير... تحت مادَّة: (ودع) حديث عن النَّبيّ e فيه استعمال المصدر الذي زعموا أنَّه أُميت، وهو قوله:"ليَنْتَهينَّ قومٌ عن وَدْعهم الجُمعات، أو ليُخْتمنَّ على قلوبهم".
والطَّريف أنَّ بعض المُحقًَّقين ممَّن تأخَّر زمانه عن أولئك صحَّح خطأهم، فأثبت صاحب المصباح هذه اللُّغة الفصيحة في مُعجمه، واستنكر ادِّعاءهم الإماتة، فقال:"ودَعتُه أدَعُهُ وَدْعًا: تركته... وزعمت النُّحاة أنَّ العرب أماتت ماضي يدع ومصدره واسم الفاعل، وقد قرأ مُجاهد وعروة ومقاتل وابن أبي عبلة ويزيد النَّحويّ:"ما وَدَعك ربُّك"بالتَّخفيف. وفي الحديث:"ليَنْتَهينَّ قوم من وَدْعهم الجمعات..."فقد رُويت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونُقلت من طريق القُرَّاء، فكيف يكون إماتة؟". ومثل ذلك تجده في معجم المُغْرِب للمُطَرِّزيّ.