فهرس الكتاب

الصفحة 20421 من 23694

فكتابتي عن الحب تتجاوز الحب القائم بين فردين، لتتناول الحب القائم بين الجماعات، أو بالأحرى الحب القائم بين أفراد جماعة وجماعةٍ أخرى، وهذا نوع من الحب قلَّ أن كَتَب عنه الكتّاب والأدباء، وتحديدًا أوجزت الكتابة عن الحب الذي يطلبه الساسة الأمريكيون، الساسة القابعون في البيت الأبيض والبنتاغون يطلبون ـ على الرغم من كل ما يفعلونه من كبائر ـ من الأمة العربية والمسلمة أن يحبوهم، وأن ينبذوا ما في أنفسهم من كراهية وحقد، ويريدون من العرب أن يسمعوا ويطيعوا، ولهذا يكثر الحديث الآن في الصحافة والإعلام القول: (الاستماع إلى الطرف الآخر) ، وهي كلمة حقٍ يُراد بها باطل، يطلب الساسة الأمريكان ـ ويحلو لهم أن يُسمّوا أنفسهم السادة الأمريكان ـ بطريقة دبلوماسية حينًا، وهمجيةٍ حينًا آخر، وخاصة بعد نشوة الانتصار التي حققوها على مجموعة من الأمم الضعيفة في السنوات الأخيرة، أخذتهم نشوة العزة بالإثم أن يقولوا: لقد اقتربنا من بلوغ هدفنا الأسمى بناء إمبراطورية القطب الأوحد، ولنرفع للناس شعار (العولمة) التي من أهدافها السياسية شن الحروب على الاستبداد وإحلال الديمقراطية ـ وهذه أيضًا كلمة حق يُراد بها باطل، يطلبون من العالمين: العربي والإسلامي أن يحبّوهم.

وأقول ـ متعجبًا من طلب رجال السياسة الأمريكية مثل هذا الطلب، وهم يعلمون أنَّ مقومات الحب غير متوفرة، لا على المستوى الفردي، ولا على المستوى الجماعي. كيف يُقنِع (المستغِل) ـ بكسر الغين ـ نفسه بطلب المحبة من (المستغَل) ـ بفتح الغين ـ؟ ويبدو الطلب أشدَّ قِحةً بين (المحتَل) ـ واقرأها الآن مرة اسم فاعل ومرة اسم مفعول ـ كيف يستسيغ المحتَل لنفسه أن يغزو شعبًا في أرضه، ويستثمر خيراته، ويُذل أبناءه، ويستبيح حرماته ومقدساته، ويحمله على أن يبدل مناهجه التربوية، وتقاليده الفطرية، ويهجر شريعته الدينية، ويطلب منه أن يحبه؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت