فهرس الكتاب
لقد شاع بين فريق من الدارسين أن الشعر الجاهلي يكاد يكون وقفًا على الأساطير ( [1] ) ، فغزله مرتبط بالآلهة، وقصص الحيوان الوحشي فيه حديث عن هذه الآلهة، وما فيه من هجاء أو رثاء وثيق الصلة بالتعاويذ والرقى السحرية والأساطير، والحديث قياس. وَوَفْقًا لهذه النظرة النقدية نكون أمام عالم شعري مفارق يتغلغل في السماء وأساطيرها، وتنبتّ صلته بالأرض والواقع انبتاتًا كاملًا، فكلما وقفوا على طرف من هذا الشعر طاروا إلى أساطيرهم يبعثون الآلهة من مراقدها، ومن لم يجدوا له مرقدًا توهموه له!! وفي هذا النظر النقدي من سوء فهم الشعر، وسوء فهم النقد، وسوء الموقف من الحياة ما لا يقرّه عاقل، ولا يخطئه بصير. أليس من العسير حقًا أن نصدق أن هؤلاء الشعراء قد نفضوا أيديهم من تراب الدنيا، وازورّوا بوجوههم عن الواقع، فأبصارهم وأفئدتهم وعقولهم جميعًا معلقة بالأساطير؟ وأية قيمة تُرجى من شعر لا يزيد على أن ينظم الأساطير كما هي فلا يزيد فيها ولا ينقص منها؟ ولم أرد بهذه الإشارة أن أحاور هذا الفريق من الدارسين، فقد فعلت ذلك في موطن آخر ( [2] ) ، ولكنني أردت أن أُنبه إلى أن المقصود بالأسطورة أو الرمز أو الخرافة في الشعر أمر مغاير لما ذهبوا إليه.