فهرس الكتاب

الصفحة 20462 من 23694

ترتبط نشأة الأساطير بفجر الإنسانية، وقد كان الوعي الأسطوري يؤمّن لأصحابه مقدارًا من التناغم والتجانس والمواءمة بينهم وبين الكون وعناصره. ولكن هذا الوعي بدأ ينحسر رويدًا رويدًا منذ بزغت النظرة العلمية إلى الكون، وكلما زادت سيطرة الإنسان على العالم بالعلم تقلصت النظرة الأسطورية وتعرّت الكائنات من قداستها. ولم يكن العصر الجاهلي ـ ومدته لا تزيد على مئتي عام قبل الإسلام حسب رأي الجاحظ، فإذا لم نطمئن إلى رأيه فلسنا نستطيع أن نمتد بهذا العصر إلا قليلًا ـ عصرًا أسطوريًا، وفي القرآن الكريم ما يدل دلالة قاطعة على ما نقول، فقد اتّهم مشركو مكة النبي (e) بأنه يقصّ عليهم أساطير الأولين، أي أساطير القدماء في الزمن الغابر السحيق، وفي الشعر الجاهلي أدلة كثيرة على خروج العرب في جاهليتهم من الطور الأسطوري للحياة.

وليس هنا موضع البسط والتفصيل. وحقًا قد يكون في الشعر الجاهلي وغيره بقايا ورواسب أسطورية، ولكن هذا الشعر يوظّف هذه البقايا والرواسب توظيفًا فنيًا، ولا يعيد نظمها نظمًا خاملًا دون أدنى تحوير فيها، أو قل: إنه لا يتحدث عنها من أجلها، بل يتحدث عنها لخدمة رؤيته إلى الكون والواقع معًا، فبها وبغيرها تتجلى هذه الرؤيا وتنكشف.

وليس من سبيل ـ في بحث كهذا ـ إلى الوقوف على هذه الرواسب والبقايا الأسطورية جميعًا في الشعر الجاهلي، بل ليس ذلك من مقاصد هذا البحث، ولذا فإنني سأعمد إلى اختيار عدد منها، وأقف على كل منها وقفة عجولًا لعلها تكشف عن رؤية الشاعر أو عن جانب منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت