فهرس الكتاب

الصفحة 20465 من 23694

لقد كان"النابغة"يحاول التبرؤ مما رُمي به، ويلتمس الأدلة لبراءته من كل صوب، ومن هذه الأدلة أنه قد أُخذ بذنب غيره، وما عقاب"النعمان بن المنذر"له وهو البريء، وتركه للمذنب بلا عقاب إلا كمن يعمد إلى بعيرين أجربَ وسليمٍ، فيكوي السليم ويترك الأجرب راتعًا بلا كيّ! ولو كان النابغة يؤمن حقًا بهذه الأسطورة لكان ذلك إقرارًا منه بأن ما فعله النعمان هو الواجب الوقوع، أو هو الحق لتجانسه مع الأسطورة ومنطقها، ولما كان"النابغة"يحاول التبرؤ من الذنب. وكلّ هذا وغيره من قبيله لم يدر في ضمير النابغة ولا ساوره، وإنما الذي دار في نفسه وساوره هو بيان الظلم الواقع عليه، وبيان ما في هذا الظلم من بعد عن العقل ومجافاة للمنطق السليم. وإذن فالنابغة يستخدم هذه الخرافة أو الأسطورة على أنها"مثل"لسوء المحاكمة والتقدير، لا على أنها حقيقة تعيش في ضميره وضمير عصره شأنها في ذلك شأن أسطورة"الثور والبقر". وقد ذكر"البغدادي"في"خزانة الأدب"نقلًا عن غيره:"أن هذا أمرٌ كان يفعله جُهّال الأعراب، كانوا إذا وقع العرّ في إبل أحدهم اعترضوا بعيرًا صحيحًا من تلك الإبل فكووا مِشفره وعضده وفخذه، يرون أنهم إذا فعلوا ذلك ذهب العرُّ من إبلهم ( [7] ) . ونقل في الصفحة المذكورة نفسها رأيًا آخر ليونس بن حبيب،"قال يونس: سألت رؤبة بن العجّاج عن هذا، فقال: هذا وقول الآخر:"كالثور يضرب لما عافت البقر"شيء كان قديمًا، ثم تركه الناس. كما نقل رأي أبي عبيدة،"قال أبو عبيدة: هذا أمر لم يكن، وإنما هو مثل لا حقيقة" ( [8] ) . ولعلّ هذه الأقوال تدلّ على أن هذه القضية ـ إذا افترضنا أنها كانت حقيقة ـ قد تغيّرت دلالتها تغيرًا شديدًا، فانتقلت من سياق خرافي أو أسطوري إلى سياق عقلي منطقي، ولا يقلّل من منطقية هذا السياق أو يقدح فيها كونه شعرًا، فليس الشعر عدوًا للعقل يخاصمه ويتبرّأ منه. ... وبذاك تنعابُ الغرابِ الأسودِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت