فهرس الكتاب
و"للغراب"أساطيره في الزمن القديم، فقد كان عند الحرّانيين رمزًا من رموز الشمس، وهو الذي دلّ قابيل كيف يدفن أخاه هابيل، وهو دليل عبد المطلب على موضع"زمزم"وهو من طيور الجنّة، وليس من المستبعد أن يكون العرب القدماء قد قدّسوه. وهذا يعني أنه أشبه بالكاهن والدليل، فهو يحمل رسالة من وراء حجب الغيب على ما يذكر د/ محمد عجينة في كتابه المذكور سابقًا. ولكن هذا الواقع الأسطوري القديم لم يبق على حاله، ولم يظهر في الشعر الجاهلي، ولكن الذي ظهر في هذا الشعر هو الواقع الاجتماعي الذي يغذّيه ذلك التراث الأسطوري، فقد ذكر"البغدادي"في"خزانته" ( [9] ) قولهم"أشأم من غراب البين"ثم قال:"فإنما لزمه هذا الاسم لأن الغراب إذا بان أهل الدار لنجعة وقع في مواضع بيوتهم يتلمّس ما يأكله، فتشاءموا به وتطيّروا منه، إذ كان لا يعتري منازلهم إلا إذا بانوا فسمّوه غراب البين".
وعلى هذا النحو يجب أن نفهم الأشعار التي ورد فيها ذكر الغراب لا على نحو سواه، فهو رمز للشؤم والفراق لما خبر القوم من أمره في واقع حياتهم وفي موروثهم الثقافي. فإذا قال النابغة الذبياني: ( [10] )
زعمَ البوارحُ أنَّ رحلتنا غدًا
فإنما يرى بنعيب الغراب نذير شؤم وفراق لمن يحب، فكأن الشاعر استصفى من الأسطورة القديمة رمزيتها التي تعزّزها الخبرة الاجتماعية، وقد قرن هذه الرمزية بعنصر أسطوري آخر هو"زعم البوارح"لأن العرب كانت تؤمن بالعِيافة، فتزجر الطير تفاؤلًا أو تشاؤمًا بممرّها، فالسانح ما ولاّك ميامنه ـ وهم يتفاءلون به ـ، والبارح ما ولاّك مياسره ـ وهم يتشاءمون به ـ ( [11] ) . ... إنما تنطقُ شيئًا قد فُعِلْ
وقد يكون التشاؤم بالغراب تفاؤلًا في الوقت عينه إذا جرى ذكره بين الأعداء على نحو ما نسمع من قول"عبد الله بن الزِّبعرى""يوم أُحُدٍ"ـ وكان على الشرك يومئذ ـ: ( [12] )
يا غرابَ البينِ أسمعتَ فقلْ
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا ... جزعَ الخزرجِ من وقعِ الأَسلْ