فهرس الكتاب

الصفحة 20467 من 23694

إذ أخذنا النّصفَ من سادتهم ... وَعَدَلْنا مَيلَ بدرٍ فاعتدلْ

"فابن الزِّبعرى"يعلن غبطته وحبوره لمصاب المسلمين يوم أُحد، كما يعلن شماتته بهم، ويتمنى لو أن قتلى المشركين في بدر كانوا أحياء ليروا ما حلّ بالمسلمين، فقد انتصف المشركون من سادة المسلمين وبذلك اعتدل الميزان بينهما بعد أن مال يوم بدر. فالشاعر يسمع الغراب فيرى فيه نذير شؤم لأعدائه فيسرّه ما يسمع، ولذا يدعو هذا الغرب إلى الاستمرار في النعيب. ... على سلامتهِ لا بدَّ مشؤومُ

ويجمع"علقمة الفحل"بين الغراب والعيافة كما فعل النابغة الذبياني، يقول: ( [13] )

وَمَنْ تعرَّض للغربانِ يَزجُرها

فالشاعر يشكّك في العيافة، وينهى عنها، فليست الغربان هي التي تجلب الشؤم أو تنذر به، ولكن الإنسان الذي لا يكفّ عن التشاؤم لا بد أن يصيبه الشؤم يومًا. وتبدو رؤية الشاعر ههنا رؤية نفسية إنسانية. ... شفاءٌ وما والى زُبيدٌ وَجَمَّعا

والغراب بعد ذلك كله خبيث ملتوي الذمّة لا عهد له، فقد أرسله"نوح"عليه السلام يستطلع ما ظهر من الأرض، فوقع على جيفة فأقام عليها، ولم يعد إلى السفينة. وقد كان نديمًا للديك في الزمن القديم، وكان للديك جناحان يطير بهما، ولم يكن للغراب مثلهما، فنفِدَ الشراب، فقال للديك لو أعرتني جناحيك لأتيتك بشراب، فأعاره جناحيه، فطار بهما ولم يرجع. وقد نظم أمية بن أبي الصلت ـ وهو الشاعر الذي آمن لسانه وكفر قلبه ـ هذه القصة على عادته في نظم الخرافات والأساطير. فإذا استثنينا"أميّة"لم يكن لهذه القصص الأسطورية وجود في الشعر الجاهلي إلا ما سبق أن أشرنا إليه من رواسب أسطورية اندمجت في الواقع الاجتماعي فغذّت الخبرة الاجتماعية.

ومن أساطيرهم ما يتصل بالدم، فقد زعموا أن دماء الأشراف تشفي من داء الكَلَب، وأن دماء الأعداء لا تختلط. وقد استخدم الشعراء هذه المزاعم ووظّفوها بعيدًا عن الفكر الأسطوري. قال مالك بن حريم الهمداني: ( [14] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت