وورد عن أبي عبيدة أن الرجل إذا أدخل بعض كلامه في بعض فهو ألَفُّ ( [9] ) ، وقيل بلسانه لفف. يقول أبو الزّحف الراجز: (رجز) ... مِنْ طُولِ تَحْبِيسٍ وَهَمٍّ وَأَرَقْ ( [10] )
كَأَنَّ فيهِ لَفَفًا إذَا نَطَقْ
وقد لا يعود العيب أو الانحراف الصوتي إلى قصور عملية النطق للمتكلم التي عبر عنها الجاحظ بنقصان آلة المنطق، وإنما يعود إلى التداخل اللغوي الذي يسببه اختلاف النظم الصوتية للغات، لأن لكل لغة حروفًا تدور في كلامها لا توجد لدى اللغة الأخرى، نحو كثرة السين لدى الروم وكثرة العين لدى الجرامقة، وكخلو لغة الروم من الضاد ولغة الفرس من التاء ولغة السريان من الذال. ذكر ذلك الأصمعي ( [11] ) . ... أنْتَ مَليكُ الناسِ رَبًا فَاقْبِلِ
ولا شك في أن الإنسان يكتسب لغته الأم منذ طفولته، ويشب على أدائها، فترسخ لديه عادات نطقية وتصبح جزءًا من سلوكه اللغوي، ومن ثم يصعب عليه العدول عنها بعد ذلك، ويجد مشقة كبيرة في نطق اللغة الأجنبية واكتساب عادات نطقية جديدة لسيطرة العادات الصوتية للغة الأم عليه فيتحدث اللغة الأجنبية بطريقة متميزة ( [12] ) لأن"الملكة ـ كما يقول ابن خلدون ـ إذا سبقتها ملكة أخرى في المحل، فلا تحصل إلا ناقصة مخدوشة" ( [13] ) .
ويضيف معللًا:"لأن قبول الملكات وحصولها للطبائع التي على الفطرة الأولى أسهل وأيسر، وإذا تقدمتها ملكة أخرى كانت منازعة لها في المدة القابلة وعائقة عن سرعة القبول، فوقعت المنافاة وتعذر التمام في الملكة (...) فالأعجمي الذي سبقت له اللغة الفارسية لا يستولي على ملكة اللسان العربي، ولا يزال قاصرًا فيه، ولو تعلَّمهُ وعلَّمه، وكذا البربري والرومي الإفرنجي، قلّ أن نجد أحدًا منهم محكمًا لملكة اللسان العربي، وما ذلك إلا لما سبق إلى ألسنتهم من ملكة اللسان الآخر" ( [14] ) .