فهرس الكتاب

الصفحة 20602 من 23694

يبدو من هذا الكلام أن ابن خلدون يشير إلى ما اصطلح عليه في الدرس اللغوي بالعادة اللغوية ـ وإن كان السبق في استعمالها للجاحظ ( [15] ) ـ وهو ما يتفق مع التصور الحديث للغة بكونها سلوكًا وعادات تكتسب ضمن الجماعة أو المجتمع الذي يعيش فيه المتكلم.

وإلى جانب هذا استعمل الجاحظ اصطلاحًا آخر وهو المحاكاة التي تؤدي دورًا لا يستهان به في تعلم اللغة الأجنبية وإجادتها، يقول:

"... إنا نجد الحاكية ( [16] ) من الناس يحكي ألفاظ سكان اليمن مع مخارج كلامهم، لا يغادر من ذلك شيئًا، وكذلك تكون حكايته للخراساني والأهوازي والزنجي والسِّندي والأجناس وغير ذلك، نعم، تجده أطبع منهم (...) ولقد كان أبو دبّوبة الزنجي مولى آل زياد يقف بباب الكرخ بحضرة المكارين ( [17] ) ، فينهق فلا يبقى حمار مريض ولا هرم حسير ولا متعب بهير إلا نهق" ( [18] ) .

وهو ما يفهم منه أن الإنسان بإمكانه أن يتقن اللغة الأجنبية من طريق المحاكاة، أي بتمرين أعضاء النطق وتعويدها على النظام الصوتي والصرفي والتركيبي للغة الأجنبية، بل قد يجيد قواعدها ويتكلمها بطلاقة كواحد من أهلها غير أنه لا يمكن أن يتخلص من اللكنة التي تكشف عن جنسيته ( [19] ) .

ونشير إلى أن الكبير والصغير في هذا مختلفان، فالذي تعلم اللغة الأجنبية وهو صغير صعب عليه تغيير عاداته الصوتية التي نشأ عليها وشبّ.

أما الذي يتعلمها وهو كبير فيسهل عليه استبدال الوحدات الصوتية التي تخلو منها لغته بأخرى أو إسقاطها كلية ( [20] ) .

وقد أعطى الجاحظ أمثلة للانحرافات الصوتية التي جرت على ألسنة معاصريه من العامة والخاصة، وأرجعها إلى التداخل اللغوي، كما مثّل لها بعدة لكنات نحو: اللكنة الفارسية، والنبطية، والرومية، والحبشية.

فمن الأولى: جعل السين شينًا والطاء تاء نحو: (الشُّلْتَان) في (السلطان) ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت