وقد علق الجاحظ على هذه الآيات بأن موسى عليه السلام قال ذلك"رغبة في غاية الإفصاح بالحجة، والمبالغة في وضوح الدلالة لتكون الأعناق إليه أميل، والعقول عنه أفهم، والنفوس إليه أسرع" ( [28] ) .
وهو ما يوضّح جليًا أن مفهوم الفصاحة"يعني القدرة على الأداء الصوتي الصحيح الذي يتسم (...) بوضوح النطق من ناحية وطلاقة اللسان من جهة أخرى، في مقابل مفهوم العيّ، بمعنى عدم القدرة على الأداء الصوتي الصحيح أو ظهور الانحرافات الصوتية" ( [29] ) . وأنّها أكثر ما تتعلق بالمتكلم ـ من دون إهمال اللفظ ـ وهو ما أشار إليه الجاحظ في أكثر من موضع ( [30] ) .
وكذلك السيوطي حين تطرق إلى معرفة الفصيح، وأشار إلى أنه يتعلق بجانبين: جانب اللفظ وجانب المتكلم، لكن اللفظ أخص من المتكلم"لأن العربي الفصيح قد يتكلم بلفظة لا تُعَدُّ فصيحة" ( [31] ) .
كما روى الجاحظ قصة تتعلق بالموضوع ـ رأينا من الفائدة ذكرها على الرغم من طولها النسبي ـ يقول:"حدثني أبو سعيد عبد الكريم بن روح قال: قال أهل مكة لمحمد بن المناذر ( [32] ) الشاعر: ليست لديكم معاشر أهل البصرة لغة فصيحة، إنما الفصاحة لنا أهل مكة، فقال ابن المناذر: أما ألفاظنا فأحكى الألفاظ للقرآن وأكثرها له موافقة، فضعوا القرآن بعد هذا حيث شئتم، أنتم تسمون القِدْر بُرمة، وتجمعون البرمة على (بَرامٍ) ونحن نقول قدر ونجمعها على (قدور) وقال الله عز وجل ]وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ [ ([33] ) .وأنتم تسمون البيت إذا كان فوق البيت عُلّية وتجمعون هذا الاسم على (عَلاَلِي) ونحن نسميه غرفة ونجمعها على (غُرُفَاتٍ و غُرَف) وقال الله تبارك وتعالى: ]غُرف مِنْ فَوقِها غُرَف مَبْنِيَّة [ ([34] ) .وقال] وَهُمْ في الغُرُفَاتِ آمنُونَ [ ([35] ) . وأنتم تسمون الطلع الكافور والإغريض ونحن نسميه الطلع، وقال الله تبارك وتعالى: ] ونَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيم [ ([36] ) . فعدٌ عشر كلمات لم أحفظ أنا منها إلا هذا" ( [37] ) .