فهرس الكتاب

الصفحة 20617 من 23694

ولعل أجمل ما أطرفنا به الشمشاطي نخبة مجموعة من أشعار العرب في النواعير وحنينها، فقد قدّم لنا اثني عشر نصًا فريدًا في هذا الموضوع الذي لم يعرض له كاتب سواه قبله. وهذه النصوص هي أقدم ما وصل إلينا في النواعير، ثم أضاف إليها نصًا من شعره. وهي: نص لأعرابي مجهول، وللمجنون نص، ولعبيد الله بن مسعود ثلاثة نصوص، ولأبي العباس النامي نص، ولصالح الديلمي نص، وللخباز البلدي نص، ولأبي طالب الحسين بن علي الإنطاكي نصان، ولابن الرومي نص، ولمصنف الكتاب أبي الحسن الشمشاطي نص. والنواعير المقصودة في تلك النصوص هي نواعير الفرات ودجلة، وليست نواعير العاصي، وهي أصغر حجمًا وأقل حمولة من نواعير العاصي. ونعيرها وإن كان متشابهًا في تلحينه.. إلا أنه مختلف في تلوينه، ارتفاعًا وانخفاضًا. ونواعير العاصي أبعد مدى وأعظم صدى، على أن تأثيرها في النفس واحد، وكلاهما حزين مثير للوجد والشجن.

يربط أعرابي في النص الأول بين حنين النواعير وحنين الإبل، غير أن حنين الإبل له أسبابه وبواعثه، فهي تحن إلى معاطنها ومواطنها، في حين كان حنين النواعير مبهمًا لا وجه له، سوى أنه يشجي الحزين، فينثر المدامع على الخدّين إظهارًا لوجده الدفين.

يقول الشمشاطي في كتابه: أُنشدت لبعض الأعراب:

ولما نزلنا الساحلينِ تجاوبت

وحنّت نواعيرُ الفرات بأرضها ... فلما استحنّت جاوبتْها الأباعر

أباعِرنا .. بعض الحنين.. فإنه ... إلى غير شيء ما تحنّ النواعر

سوى أنها تُشجي الحزينَ الذي به ... إلى رؤية الأحباب داءٌ مُخامر

إذا نحن أخفينا الدفينَ الذي بنا ... من الوجدِ نمّته الدموعُ البوادر ( [1] )

ومثله فعل المجنون في حديثه عن النواعير، فهو يحن من وجده إلى ربى نجد، وهي تحن من غير وجد، ولكن الفرق بينهما أن دموعها تسقي الرياض، ودموعه تقرح الخدود. يقول المجنون: ... وأحنّ من وجد إلى نجد

باتت تحنّ وما بها وجْد

فدموعُها تسقي الرياضَ بها ... ودموعُ عيني أقرحتْ خدي ( [2] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت