وإني لأظن أن نص الأعرابي ونص المجنون، كلاهما رائد في بابه، غير أن الأول عليه مسحة البداوة، والثاني عليه نفحة الحضارة، وما تلاهما من نصوص كان تبعًا لهما، وتفصيلًا لما كان مجملًا. ... نواعيرُ الفرات لغير شجو
ويبدو لي من قراءة نصوص عبيد الله بن مسعود (98) هأنها متشابهة، فألفاظها واحدة، ومعانيها متقاربة. فمفردات [الحنين والشجو والصبابة والدموع] وردت في النصوص الثلاثة، وبالتالي فإن معانيها أقارب وشكول. على حين تميز النص الأول بشيء من الإيضاح [مياه النواعير تسقي الحلو من الثمر، والدموع تسقي ما كان غير حلو] . أما النص الثاني فيجعل الشاعر دموعها ودموعه سواء. وفي النص الثالث نجد أن الشاعر والنواعير كلاهما يبكي، فهو يتوحد بالناعورة، ولكن بكاءه قرّح الجفون، وجفونها سلمت من التقريح.
يقول عبيد الله بن مسعود في النص الأول:
حَننْت إليك من شجو وحنّت
خلونَ من الهوى ومُلئت منه ... وليس أخو صباباتٍ كخِلْوِ
سقينَ الحلوَ من ثمرٍ وتسقي ... دموعي من همومي غيرَ حُلْوِ ( [3] )
ويقول في النص الثاني: ... نواعرُه حنينَ المُعْولاتِ
نزلنا بالفرات ضُحىً وحنّت
وظَلْتُ أحنُّ من شوق وليست ... تحنُّ له نواعيرُ الفرات
وبتُّ من الصبابة مستهامًا ... إليك وبتْن منها خاليات
سواءٌ ما سقينَ وما جرتْه ... جفوني من دموعي الهاطلات ( [4] )
ويقول في النص الثالث: ... نواعيرُه كاد الفؤادُ يبينُ
ولما استحنّت بالفرات عشية
تحن بلا حزن وشوق أصابها ... وللقلب من شوق إليك حنين
سواء بكاء العين مني والذي ... بكين ولكنْ ما لهن عيون
على أنني والله قد أقرح البكا ... جفوني ولم تقرح لهن جفون ( [5] )