فهرس الكتاب

الصفحة 20652 من 23694

ومن المواقف التاريخية ذات الأبعاد الاجتماعية تلك، أن العصبية كانت جزءًا لا يتجزأ من تاريخ العرب، رغم أن الإسلام قد نبذها إلا أننا لا يمكن إغفالها عند دراسة ظاهرة التدرج الاجتماعي في المجتمعات العربية، ولم تقتصر العصبية على النسب فقط، بل تعدى ذلك إلى الحلف والولاء. ومؤدى العصبية ميل ومحاباة لفريق دون مراعاة لمصلحة المجموع. وقد أفرد لها ابن خلدون جزءًا كبيرًا في مقدمته وجعلها جزءًا رئيسًا من التكوين السياسي للمجتمع العربي ذاته. وقد عرفها الرسول (ن في حديث أخرجه أبو داود، عن وائلة بنت الأسقع، أنها سمعت أباها يقول: قلت: يا رسول الله، ما العصبية؟ قال: أن تعين قومك على الظلم. وكانت العصبية قبل الإسلام من أهم أسباب عدم اجتماع العرب في أمة واحدة، ولم يكن هناك تقدير للشعور الجماعي للامة، بل كانت القبيلة الواحدة تنقسم إلى عدة عشائر أو أفخاذ يجمعها نسب معين. وقد نبذ الإسلام هذه العصبية وهذا التفاخر الجاهلي، وقد قال النبي ( في حديث رواه أبو داود: [ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من مات على عصبية] . أي لا تكون مضمرة في قلبه، ومرغوبة عنده، وإن لم يدع أحدًا، ولم يقاتل في ذلك أحدًا(39) . وإن كان ابن خلدون، يرى أن العصبية موجودة في الطبائع البشرية وبها يكون التعاضد والتناصر وتعظم رهبة العدو لهم، واستدل بذلك من القرآن الكريم، في قوله تعالى: (لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذًا لخاسرون((يوسف: 14) . وبدونها لا يقع الافتراق المؤدي إلى الاختلاف والتنازع، لقوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض((البقرة: 251) . كما أن في العصبية فوائد محمودة وخاصة إذا ما ارتبطت بالعقيدة، ولا تكون على الباطل كما كانت في الجاهلية، بل تكون عصبية في الحق وإقامة أمر الله، وفسر بذلك عصبة العرب حينما أكرمهم الله بالنبي محمد (، وما تحقق لهم من عزة وتمكين على أمم كانت أقوى منهم في الأرض كالفرس والروم(40) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت