تناول المفكرون والفلاسفة قديمًا وحديثًا الكثير من قضايا التدرج الاجتماعي في مؤلفاتهم، وفي وصفهم للكثير من صور الحياة الاجتماعية، فهل كانت الحضارة الإسلامية بعصورها المختلفة غائبة عن قضايا التدرج الاجتماعي؟ بل على العكس تمامًا، فقد عرض الفلاسفة المسلمون الكثير من قضايا الاختلاف والتمايز بين أفراد المجتمع، وعلى العكس قد يكونون أدق في تحديدهم لمنازل الناس ورتبهم على أسس أكثر علمية ممن سبقهم، وكان ذلك ليس فقط دراسة لواقعهم، بل كان فيه الكثير من الاستقراء للمستقبل وهو ما عاشته العصور من بعدهم وحتى اليوم، بل إننا نجد كذلك توافقًا كبيرًا بين محددات الاختلاف والتشابه بين الناس مع أكثر تلك المعايير دقة في علم التدرج الاجتماعي في الفكر المعاصر فلو استعرضنا آراء المفكرين المسلمين في هذا المجال، فسنعرف كيف عالج فلاسفتنا المسلمون قضية كانت في عصورهم تعد من أحرج القضايا وأدقها، بل تكون أكثرها نفورًا لدى عامة الناس.
فقد أبرز (الفارابي) (259هـ 339ه) في مدينته الفاضلة تحديدًا للمكانات والرتب لأفراد المجتمع، ففي تحديده لترتيب أفراد المجتمع يقول: فأهل رتبة واحدة كل منهم الذين يتوالون في الأزمنة واحدًا بعد آخر في مدينة واحدة؛ يكونون كنفس واحد وكشخص واحد بقي الزمان كله، فذلك لاتفاقهم في الصفات التي جعلتهم أهلًا لهذه الرتبة، وأهل كل رتبة واحدة في عدة مدن فاضلة يكونون كذلك كنفس واحدة، وشخص واحد، في الفترة التي يضطلعون فيها بأعباء هذه الرتبة للسبب نفسه السابق، وكذلك إن توزعت أعباء الرتبة الواحدة في مدينة واحدة على عدة أشخاص؛ فإنهم بضم صفاتهم بعضها إلى بعض يكمل بعضهم بعضًا، فيصبحون كنفس واحدة وشخص واحد، ولا فرق في هذه الرتب بين أن تكون رتبًا لها رياسة على رتب أدنى منها بجانب خدمتها لرتب أرقى منها، أو أن تكون رتبًا خادمة لرتب أرقى منها وليس لها رياسة على رتبة ما.