كما يقول الشيخ ابن سينا (370هـ 428ه) : (إن تفاوت الناس فيما بينهم من حيث الأموال والآراء والرتب والمكانات منة أنعم بها الله عليهم؛ وذلك لحفظ بقائهم واستمرار حياتهم، حيث لو كانوا متساويين في أموالهم وأقدارهم، كما أدعى ذلك لفنائهم وانقراضهم، فهم في مثل هذه الحالة يعيشون متنافسين ومتجانسين، فلو أن الناس جميعهم كانوا ملوكًا لما استطاعوا أن يتعاونوا فيما بينهم، ولا يتفاهموا مع بعضهم. فكل واحد منهم يريد أن تكون له السلطة وحده، وأن يستبد بها عن الآخرين، وأن يحتكر الجاه لنفسه، وأن تكون المنفعة والخير له وحده، وطبيعي حين يحدث ذلك تدب الفرقة بينهم، وتنشأ العداوة بين ظهرانيهم، وتدور المعارك بين فئاتهم، فيؤدي ذلك إلى هلاكهم، وكذلك إذا كانوا جميعًا سوقة فقراء، وقعت بينهم الواقعة وماتوا ضرًا وهلكوا بؤسًا.
وعن أهمية الاختلاف بين الناس، يرى (ابن سينا) أنه إذا كان الناس مختلفين في أقدارهم، متعاونين في أحوالهم، أدى هذا وذاك إلى استمرار بقائهم وإقناع كل منهم بحظه، ومن يتأمل ذلك يجد أن الغني المحروم من التفكير والأدب، المدرك من الدنيا حظه بأهون سعي، وأدنى سبيل، قانع بحاله، مسرور بماله. كذلك يجد ذا الأدب والتفكير قانعًا بأمره، معتدًا بعقله، إن كل من هذا وذاك يوازن بين صاحبه وبين نفسه، فيرى أنه يفضله بما يمتلكه ويعتقد أنه خير منه، إن المال عند أحدهما خير من الأدب والتفكير، والأدب والتفكير عند الآخر خير من المال والمتاع، وما قلناه بالإضافة إلى الأغنياء وذوي الأدب؛ يمكننا أن نقول مثله بالإضافة إلى صاحب الصناعة، وصاحب السلطان، ويمكننا أن نفعل ذلك، حتى نأتي على جميع فئات الناس، فنجد أن كل فئة منهم قانعة بما قسم لها، راضية بمآلها، وكل ذلك من دلائل الحكمة، وشواهد لطف التدبير، وأمارات الرحمة والرأفة (51) .