وبالتالي فإن الفارابي وابن سينا وأبو الريحان قد سبقوا النظرية في قولها بحتمية التدرج الاجتماعي وضرورته للبناء الاجتماعي للمجتمع، وأن الحياة الاجتماعية لا يمكن أن تيسر بدونه. كما أن تلك الآراء تنفي ما قاله بوتو مور (1978) من أن التدرج الاجتماعي من الظواهر المهمة التي لفتت أنظار الفلاسفة وعلماء النظرية الاجتماعية عبر التاريخ؛ إلا أنها لم تخضع للدراسة النقدية والتحليل إلا بنمو العلوم الاجتماعية الحديثة (53) .
كما قسم ابن طفيل (500هـ ـ 581هـ) المجتمع الإنساني إلى فريقين غير متساويين من الناس في روايته الفلسفية المشهورة (حي بن يقظان) : من العامة وهم الكثرة المطلقة في المجتمع، ومن الخاصة وهم قلة في المجتمع، يتميزون بالفطرة الفائقة، كما أن العامة بدورها تنقسم إلى فريقين غير متساويين: جمهور غالب وهم أكثرية في المجتمع، ثم نخبة أقرب إلى الفهم والذكاء من جميع الناس، وهم بطبيعة الحال أقلية في المجتمع، ومن خصائص العامة الجبن عن التفكير المستقل، ثم التعلق بما يدين به المجموع، لما هم عليه من البلادة والنقص وسوء الرأي وضعف العزم. والعامة يتمسكون ـ غالبًا ـ بظواهر الأمور، ويقيدون أنفسهم بالألفاظ، وهم شديدو الإيمان بالأشخاص لا بالمبادئ، فإذا اعتقدوا بشخص ما تبعوه خطأً أم صوابًا؛ لأنهم قلما يستطيعون فهم المبادئ، أما جماعة الخاصة من ذوي الفطرة الفائقة فهم أهل التفكير، ولذلك كانوا فيما يتعلق بالدين خاصة أشد غوصًا على الباطن وأكثر عثورًا على المعاني الروحانية، وأطمع في التأويل، وأكثر ميلًا إلى العزلة والانفراد عن العامة. والخاصة أكثر ميلًا إلى التفكير والعبادة العقلية منهم إلى الشرع والعبادات العقلية (54) . أي أن ابن طفيل قسم المجتمع بشكل عام إلى ثلاث مراتب هي:
1ـ الفئة الأولى: الحكام وحاشيتهم.
2ـ الفئة الثانية: النخب، التي تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
1.النخب التابعة التي لا حول لها ولا قوة.