شهد العهد الأيوبي منذ قيام دولة الناصر صلاح الدين نشاطًا عقليًا واضحًا، شمل كل مناحي الفكر، من علم ودين، وأدب وفن، وتاريخ ولغة، ظهر في عدد من المؤلفات الحسان التي تركها لنا جهابذة العلم وأساتذة الفن أمثال: أسامة بن منقذ والعماد الأصفهاني والقاضي الفاضل وابن سناء الملك وابن الأثير وياقوت الحموي وغيرهم من جلة العلماء والأدباء والشعراء، وكان ما خلفوه لنا من إرث حميد خير شاهد على سمو مكانتهم العلمية في عصر اتسم بالصراعات الدائمة والحروب الطاحنة مع الصليبيين الغزاة طوال قرنين من الزمن.
ولعل أبا الحسن علي بن ظافر الأزدي كان واحدًا من رجال هذا العهد الذين أغنوا تراثنا العلمي والأدبي، وأسهموا في قيام حضارة عربية ذات أصول راسخة، وظلال وارفة، وقطوف دانية.. نعم الشرق والغرب بخيراتها، فكانت للإنسانية هدى وخيرًا، وخصبًا وريًّا، وحسنًا وإحسانًا. فمن هو ابن ظافر الأزدي، وما هي أخباره وآثاره، وماذا قدّم لنا في كتابه"بدائع البدائه"من حديث عن النواعير..؟
ولد أبو الحسن علي بن ظافر الأزدي في القاهرة سنة 567ه، وهي السنة التي قطع فيها صلاح الدين بن أيوب خطبة العاضد آخر خلفاء الدولة الفاطمية، وخطب للخليفة العباسي المستضيئ، وأصبح سيّد الموقف في مصر، ونائبًا لنور الدين محمود بن زنكي فيها، وقد تسنى لابن ظافر الأزدي أن يقرأ الأدب والأصول والتاريخ وأن يبرع فيها. ثم ما لبث أن نهد للتدريس بالمدرسة الكاملية بعد أبيه، وترسّل بعدها في الديوان العزيز بمصر. كما تمكن بحكم عمله أن يقيم صلات مودة مع عدد من أعلام عصره، نذكر منهم: القاضي الفاضل وزير صلاح الدين وكاتبه، وابن سناء الملك شاعر عصره، والعماد الأصفهاني صاحب خريدة القصر، وأبا اليمن الكندي اللغوي النحوي المشهور، وكان بينه وبينهم مساجلات ومطارحات أورد طائفة منها في كتبه. وكانت داره ملتقى القصّاد ومحط رجال العلم من شرق العالم الإسلامي وغربه.