وقد صحب ابن ظافر الأزدي الأشرف موسى بن الملك العادل إلى الديار الشرقية من بلاد الشام وزيرًا، لتوطيد الأمن فيها، ولكن ابن ظافر الأزدي ما لبث أن نفر من الوزارة وأوزارها، وبرم بالغربة ووعثاء أسفارها، فانفصل عن خدمة الأشرف موسى، وعاد إلى القاهرة، حيث ديار الأهل ومواطن الأحبة، ومراتع السرور ومعاهد العلوم. وولي وكالة بيت المال مدة، ثم انصرف في آخر أيامه إلى التصنيف وقرض الشعر.. حتى وافاه الأجل المحتوم، وقد اختلف أصحاب التراجم في سنة وفاته، فمنهم من جعلها سنة 613همثل ياقوت في معجم الأدباء، ومنهم من جعلها سنة 623همثل ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات، والأول أصح لمعاصرته له.
ترك ابن ظافر الأزدي بعض المؤلفات، ذكر منها ياقوت وابن شاكر الكتبي عشرة، ولم يصل إلينا منها سوى ثلاثة.. هي: بدائع البدائه، وأخبار الشجعان، وأخبار الدول المنقطعة، وقد طبع كتاب البدائع والبدائه، أما الكتابان الآخران فما يزالان مخطوطين محفوظين في مكتبة المتحف البريطاني بلندن.
وما يهمنا من آثاره كتابه المطبوع، أعني بدائع البدائه، وقد طبع ثلاث مرات، الأولى طبعة بولاق سنة 1278هبعناية الشيخ محمد قطة العدوي، والثانية على هامش معاهد التنصيص سنة 1316ه، والثالثة طبعة مصرية صدرت عام 1970 بتحقيق محمد أو الفضل إبراهيم، وهي أفضل الطبعات الثلاث وأتمها، وعليها اعتمادنا في هذا البحث.
ويعد كتاب بدائع البدائه من عيون الأدب، لأنه يشتمل على فوائد أدبية مختارة من كتب الأدب والنقد والتراجم، مما يوافق منهجه في التأليف، ومذهبه في التقسيم الذي التزم به. ولعل أجمل ما فيه من مطارحات وحكايات ما وقع في مجالسه، وما دار بينه وبين شعراء عصره في أثناء نزهاتهم بين الرياض والغياض، وعلى أصوات النواعير وخرير المياه عند ضفاف الأنهار، في غوطة دمشق وأرباض القاهرة، مما يذكي القرائح، ويقدح زناد البديهة والارتجال.