فهرس الكتاب

الصفحة 20723 من 23694

ولست أدري إن كان هذا الصراخ نقدًا يستحق الردّ عليه، ومهما يكن فإن في كلامه سعيًا إلى تغييب حقائق اللغة، ومحاولة لقتل القدرة التعبيريّة الهائلة للعربيّة، وفيه أيضًا تجاهلٌ، وربما جهلٌ بجهود النحويين في وصف أحوال هذه اللغة، ولا يخلو أخيرًا من مسٍّ بلغة العرب، لغة القرآن الكريم وفصاحتها.

فما ذكره أولًا أنّ ما في القرآن مخالفٌ لقواعد النحاة، بدليل مجيء أمسى وأصبح وكان تامّةً = مبنيّ على مغالطة وجهالة، لأنّ قواعد العربيّة إنما شيّدت قبل كل شيء على النّص القرآني، والدارس لقواعد النحاة لا يداخله شكّ في أنّ ما قام به هؤلاء النحاة ما هو إلاّ وصفٌ أمين للغة القرآن، ووقوعُ بعض الأفعال الناقصة تامّة مكتفية بمرفوعها في بعض استعمالاتها أمرٌ لا يقتصر على القرآن وحده بل هو شائعٌ في كلام العرب شعرًا ونظمًا، وهو أمرٌ عرفه النحاة قبل المؤلّف ورصدوه رصدًا دقيقًا، وانتهوا بعد الاستقراء إلى أنّ الأفعال الناقصة تزول عنها هذه الصفة إذا استعملها المتكلّم متضمنّة معنى الحدث، دالّةً على معناها الأصلي الذي وضعت له، والنحاة كما أسلفت هم الذين وقفوا على أمر هذه الأفعال وتبيّنوا أحوالها، وساقوا من الشواهد ما يدلّ على ذلك، وهي شواهد لا شذوذ فيها إلاّ في مخيّلة المؤلّف، بل هي من تمام القاعدة، فانقسام (كان) إلى تامّة وناقصة شيء يعود إلى طبيعة استعمالها في السياق، وهو ضربٌ من الاتساع في التعبير الذي اتسمت به العربيّة، وانقسام (كان) إلى هذين القسمين لا يختلف عن انقسام (رأى) إلى بصريّة تتعدّى إلى مفعول واحد، وقلبيّة تتعدّى إلى مفعولين، ولا يختلف أيضًا عن قولهم إنّ (جَعَل) تُستعمل بمعنى صيَّر فتتعدّى إلى مفعولين، وبمعنى (أنشأ) فتكون فعلًا ناقصًا من أفعال الشروع، وبمعنى (ظنّ) .. وبمعنى (وجَدَ) ... ومثل هذا كثيرٌ في العربيّة، وهو دليلُ غِنى في وسائل التعبير، لا الشكل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت