فهرس الكتاب
قال (44) :"وهنا أتذكّر فعلًا صحيحًا مضعّفًا هو فعل"مدّ"، فعند إسناد ذلك الفعل إلى الضمائر المختلفة لا نسمع أحدًا من ناطقي اللغة العربيّة المحكية (العاميّة) من المحيط إلى الخليج يقول (مددت) ، ونجدهم جميعًا يقولون (مدّيت) وإننا لا نجرؤ على اعتبارها من جوازات الإسناد، فتأمّل عجزنا وضعفنا أمام أوهام الماضي".
ولن نجادل المؤلّف ههنا في صحّة استقرائه، ولكن نقول إنّ كلامه هذا يضمر دعوة إلى تغيير قواعد الفصحى لتنسجم مع العاميّة، ولا يعنيه بعد ذلك ما سيؤول إليه الأمر من عشوائيّة اللغة نفسها واختلاط أبنيتها.
إنّ ما انتهى إليه النحاة في باب وصف الأبنية وأحوالها هو ما سمعوه من فصحاء العرب، ولو أنّه انتهى إليهم عن بعض العرب نحو مدّيت لما أغفلوه، وهم الذين حملوا إلينا ما جرى على القاعدة وما شذّ عنها.
وعِلّة امتناع العرب الفصحاء من نحو (مدَّيت) هو كراهية اختلاط البناء الواحد وعشوائيته، وهو ما سمّاه النحاة (دَفْع اللبس) ، فبناء فَعَل إذا أُسند إلى المتكلم قيل فيه فَعَلْت نحو: ضَرَب ضربت، ولو قالوا في مَدّ -وهو فَعَل- مدّيت لكان فَعَّلْتُ، وهذه الصيغة مخصوصة بـ"فعّل المضعف نحو كسَّر كسّرت، فيقع الالتباس."