فهرس الكتاب

الصفحة 20862 من 23694

واستفاد أبو العتاهية من هذا الجانب في التخييل إذ نراه يشخص الإسلام ـ وهو مجرد ذهني ـ ويجعله إنسانًا حيًا عاقلًا له مشاعر وأحاسيس؛ فتراه يبكي حزنًا على ما آل إليه وضع علماء الإسلام، ولكن ليس هناك من يبالي أو يهتم ببكائه ويكترث له. يقول ( [34] ) :

بكى شجوَهُ الإسلامُ من علمائه

ونرى من جانب آخر أن المطامع إنسان يأمر وينهي، وكأنها ملك استعبد صاحبه، فتظهر أمامنا مشخصة في قوله ( [35] ) : ... ولو أني قَنِعْتُ لكُنْتُ حُرّا

أطعتُ مطامعي فاستعبدتْني

وفي هذا تخييل يصور للناس ما تفعله مطامعهم فيهم، فينقادون لها مستسلمين؛ تسيّرهم كيفما تشاء، وتصبح الملكة عليهم صاحبة الولاء والطاعة. ... والمنايا تُفني جميع العبادِ

وكثر عند أبي العتاهية في وعظه تجسيم الموت وتشخيصه وتجسيده؛ فإذا بالموت سهم قاتل أو وحش كاسر، يترقّب ويترصد، ويصول ويجول، ويقتل ويفني، ويقضي على الضحايا وينال منها؛ يقول ( [36] ) :

المنايا تجوسُ كُلَّ البلادِ

لتنالَنَّ مِنْ قُرونٍ أراها ... مِثلَ ما نِلْنَ من ثمود وعادِ

هُنّ أفنينَ مَنْ مضى من نزار ... هُنّ أفنينَ من مضى من إيادِ

ويظهر لنا التجسيم أيضًا في وعظه بضرورة محاربة الهوى وعدم اتباعه، جاعلًا من الهوى إنسانًا شريرًا ينبغي قتاله والقضاء عليه؛ يقول ( [37] ) : ... قاتِلْ هواكَ هُناكَ كُلَّ قِتالِ

قاتِلْ هواك إذا دعاكَ لفتنةٍ

وإذا عقلتَ هواكَ عن هَفواتِهِ ... أطلقتهُ من شينِ كُلِّ عِقالِ

ومن تجسيم المعنوي أيضًا في صورة الحسي وتشخيصه بصورة كائن حي يتحرك ويعمل ويتصرف؛ تهنئة أبي العتاهية الخليفة العباسي المهدي في قوله ( [38] ) : ... إليه تجرِّر أذيالها

أتته الخلافةُ منقادةً

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت